التقاعد ليس نهاية الطريق بل بداية فصل جديد من الحياة (5)
المتقاعدون... ثروة وطنية تبحث عن فرصة
علي بن مبارك اليعربي
حين يُذكر التقاعد، ينصرف ذهن كثير من الناس إلى نهاية الخدمة الوظيفية، بينما يغيب عن الأذهان أن ما يغادر المؤسسة هو الموظف، أما الخبرة التي اكتسبها عبر سنوات طويلة فلا تغادره، بل تبقى رصيداً معرفياً وإنسانياً يمكن أن يواصل عطاؤه لسنوات عديدة.
ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل مجتمع على نفسه ليس: كم عدد المتقاعدين لدينا؟ وإنما: كيف نستثمر خبراتهم؟
لقد أنفقت الدول والمؤسسات سنوات طويلة في إعداد موظفيها وتأهيلهم وتدريبهم، حتى أصبحوا يمتلكون خبرات متراكمة في الإدارة، والتعليم، والهندسة، والطب، والإعلام، والاقتصاد، والعمل الاجتماعي، وغيرها من المجالات. فهل يُعقل أن تتوقف الاستفادة من هذه الثروة الوطنية بمجرد بلوغ سن التقاعد؟
إن الخبرة ليست مرتبطة بعقد وظيفي، بل هي حصيلة عمر كامل من التعلم، والتجربة، والنجاح، والتحديات، والتعامل مع الناس، واتخاذ القرار. وهذه الخبرة تزداد قيمة مع الزمن، لأنها تمتزج بالحكمة والنضج وسعة الأفق.
ولعل من المؤسف أن بعض المجتمعات ما زالت تنظر إلى المتقاعد على أنه شخص أنهى دوره، بينما تنظر المجتمعات المتقدمة إليه بوصفه بيتاً من بيوت الخبرة، يمكن أن يسهم في التدريب، والاستشارات، والتوجيه، والعمل التطوعي، والمبادرات المجتمعية، وصناعة القيادات الجديدة.
إن المتقاعد لا يحتاج دائماً إلى وظيفة جديدة، لكنه يحتاج إلى فرصة جديدة. فرصة يشعر من خلالها أن خبرته ما زالت مطلوبة، وأن المجتمع ما زال يقدر ما يحمله من معرفة وتجربة، وأن سنوات عطائه لم تُطوَ مع آخر يوم في عمله.
ومن الجميل أن تتجه المؤسسات إلى إنشاء برامج للاستفادة من الكفاءات الوطنية بعد التقاعد، وأن تُبنى قواعد بيانات تضم أصحاب الخبرات في مختلف التخصصات، بحيث يمكن الاستعانة بهم في التدريب، والتحكيم، والاستشارات، والمشروعات الوطنية، ونقل الخبرة إلى الأجيال الجديدة.
كما أن الجمعيات الأهلية والفرق التطوعية والمؤسسات التعليمية تستطيع أن تستفيد من المتقاعدين في برامجها ومبادراتها، فهم يملكون من الوقت والخبرة ما يجعلهم شركاء حقيقيين في التنمية المجتمعية.
ولا يقتصر الأمر على المؤسسات وحدها، بل إن المتقاعد نفسه مدعو إلى أن يبادر، وألا ينتظر من يطرق بابه. فكم من مشروع مجتمعي ناجح بدأ بفكرة حملها متقاعد آمن بأن رسالته لم تنته، وأن بإمكانه أن يضيف لوطنه شيئاً جديداً خارج إطار الوظيفة.
إن الأمم لا تُقاس بما تملكه من موارد مادية فحسب، وإنما بما تحسن استثماره من موارد بشرية. والمتقاعدون يمثلون أحد أهم هذه الموارد، لأنهم يجمعون بين الخبرة، والاستقرار، والنضج، والإخلاص، والرغبة في رد الجميل للوطن الذي خدموه سنوات طويلة.
ومن هنا، فإن ثقافة التقاعد الإيجابي لا تقتصر على إعداد الإنسان لمرحلة جديدة من حياته، بل تمتد إلى إعداد المجتمع أيضاً ليحسن الاستفادة من طاقاته وخبراته. فالمسؤولية مشتركة، والعطاء لا يكتمل إلا إذا وجد من يقدره ويهيئ له المجال.
وفي النهاية، فإن المتقاعد لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره صفحة أُغلقت، بل باعتباره فصلاً جديداً يمكن أن يضيف الكثير إلى وطنه ومجتمعه إذا أُحسن استثمار خبراته.
فالأوطان التي تحترم خبراتها لا تسمح بأن تتقاعد العقول، ولا أن تُهدر التجارب، لأنها تدرك أن بناء المستقبل يبدأ من حسن الاستفادة من تراكمات الماضي.
وما أجمل أن ننتقل من ثقافة تقول: “انتهت خدمته” إلى ثقافة تقول: “بدأت مرحلة جديدة من عطائه”. فذلك هو الاستثمار الحقيقي في الإنسان، وهو أعظم استثمار يمكن أن يقدمه الوطن لأبنائه، ويقدمه أبناؤه لوطنهم.



