مقالات صحفية

وحين ارتدت التعليقاتُ قميصَ الخصم… وهُزم الوطن

خالصة الصلتي

في الرياضة تُسجل النتائج مع صافرة النهاية، بينما تبقى المواقف حاضرة في ذاكرة الأوطان. ولهذا تكتسب بعض المباريات قيمتها بما تكشفه خارج حدود الملعب أكثر مما تقدمه داخله؛ إذ تضع ثقافة المجتمع تحت المجهر، وتختبر وعيه الرياضي، وتكشف طبيعة العلاقة بين الجمهور ومن يحملون راية الوطن في المحافل الدولية.

جاءت مشاركة منتخب عُمان لكرة السلة للسيدات تحت (18) عامًا في كأس آسيا لتقدم هذا المشهد بكل تفاصيله. فبعد الخسارة أمام منتخب إندونيسيا، انتقلت المباراة إلى منصات التواصل الاجتماعي، واتسعت دائرة التعليقات، وتسارعت الأحكام، وارتفعت حدة الانفعال، حتى بدا وكأن بعض الكلمات ارتدت قميص الخصم، وشاركت في مباراة أخرى تجاوزت حدود الملعب.

وتستحق هذه المشاركة قراءة أكثر عمقًا واتزانًا. فمنتخب إندونيسيا ينتمي إلى دولة يتجاوز عدد سكانها (280) مليون نسمة، وتملك دوريًا منتظمًا، وقاعدة واسعة من اللاعبات، وبرامج متخصصة لاكتشاف المواهب، ومشاركات آسيوية متواصلة، واستثمارًا طويل الأمد في تطوير كرة السلة. وفي المقابل، تمضي سلطنة عُمان في بناء تجربتها الرياضية بخطوات مدروسة، وتعزز حضورها في المنافسات الخارجية عامًا بعد عام، وتعمل على توسيع قاعدة الممارسين، وصناعة جيل جديد يمتلك الخبرة والطموح.

ويُحسب لسلطنة عُمان أنها جعلت من الرياضة النسائية أحد محاور التنمية الرياضية، ووسعت حضور المرأة العُمانية في البطولات الخليجية والآسيوية والدولية، انطلاقًا من رؤية تؤمن بأن الاستثمار في الإنسان يشكل الأساس لكل إنجاز مستدام. فكل مشاركة خارجية تضيف خبرة، وكل بطولة تفتح آفاقًا جديدة، وكل جيل يمهد الطريق للجيل الذي يليه.

وتؤكد التجارب الرياضية العالمية هذه الحقيقة؛ فالمنتخبات التي تتصدر المشهد الآسيوي والعالمي وصلت إلى مكانتها عبر عقود من التخطيط، والاستثمار، وتطوير الفئات السنية، وتأهيل المدربين، وتوفير بيئة تنافسية مستمرة. وقد ظل تراكم الخبرات العامل المشترك في جميع قصص النجاح، حتى أصبحت الإنجازات ثمرة طبيعية لمسيرة طويلة من العمل.

وفي هذا السياق، تبرز مسؤولية المجتمع بوصفه شريكًا في صناعة الإنجاز الرياضي. فالكلمة تصنع الثقة، وتعزز الانتماء، وتشجع المواهب على الاستمرار، بينما تمتد آثار الكلمة الجارحة إلى ما هو أبعد من نتيجة مباراة؛ فتصل إلى كل فتاة تحمل حلم ارتداء قميص المنتخب، وإلى كل أسرة تشجع ابنتها على ممارسة الرياضة، وإلى كل مشروع وطني يعمل على توسيع قاعدة الرياضة النسائية.

ويمثل النقد ركيزة أساسية في أي منظومة تسعى إلى التطور عندما يستند إلى المعرفة، ويحلل الأداء، ويشخص التحديات، ويقترح الحلول. وفي المقابل، تقود السخرية، والتنمر، والتجريح إلى إضعاف البيئة الرياضية، وإرباك المواهب الشابة، وإفراغ الحوار من قيمته، فيتحول النقاش من تطوير الأداء إلى محاكمة الأشخاص.

وتحمل الفئات السنية قيمة استراتيجية في مسيرة الرياضة الوطنية؛ لأنها تمثل مرحلة التأسيس التي تتشكل فيها الخبرة، وتنمو خلالها الشخصية الرياضية، ويترسخ فيها الانتماء لقميص المنتخب. وكل دقيقة تقضيها لاعبة شابة في بطولة آسيوية تضيف إلى رصيدها ما تعجز سنوات من التدريبات المحلية عن تقديمه؛ لأن الاحتكاك المباشر بأفضل المنتخبات يختصر مسافات طويلة في رحلة التطور.

كما يحمل تمثيل الوطن في بطولة قارية رسالة تتجاوز حدود المنافسة. فكل لاعبة ارتدت شعار عُمان قدمت نموذجًا لطموح المرأة العُمانية، وأسهمت في ترسيخ حضورها في الساحة الرياضية، وأضافت لبنة جديدة إلى مشروع وطني يهدف إلى بناء رياضة أكثر شمولًا، وأكثر قدرة على المنافسة.

وتقاس المجتمعات الرياضية المتقدمة بقدرتها على تحويل لحظات التعثر إلى فرص للتعلم، ومنصات للمراجعة والتطوير، وحافز لمضاعفة العمل. فهذه الثقافة هي التي تصنع الاستدامة، وتبني الأبطال، وتمنح الرياضة القدرة على النمو عامًا بعد عام.

لقد انتهت مباراة إندونيسيا، وبقيت الرسالة؛ رسالة تؤكد أن قميص الوطن يحمل قيمة أكبر من أي نتيجة، وأن من يرتديه يستحق الاحترام والدعم، وأن الكلمة تمثل مسؤولية أخلاقية ووطنية، بقدر ما تمثل حرية في التعبير.

وحين ارتدت بعض التعليقات قميص الخصم، امتدت آثار الهزيمة إلى فضاء أوسع من أرض الملعب، وأصبح التحدي الحقيقي هو ترسيخ ثقافة رياضية تليق بعُمان؛ ثقافة تحتفي بالمشاركة، وتدعم المواهب، وتؤمن بأن الإنجاز يولد من التراكم، وأن المستقبل تصنعه الثقة قبل التصفيق، والدعم قبل الاحتفال، والعمل قبل انتظار النتائج.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights