مقالات صحفية

شجرة الخلد..تأملات قرآنية

ثاني بن مبارك الحبسي

إن القارئ في كتاب الله العزيز، المتأمل في كنوز آياته، ليقف على عجائب من البيان، وبراهين من الحكمة، وحقائق تُذهل العقول، ولا تخفى على أولي الألباب.

وحقيق بالمسلم أن يطلق لفكره العنان، ويُفعّل ملكاته وقواه، ليخوض في بحر هذا الكتاب العظيم، ويرتقي في آفاقه الواسعة، محققًا الغاية التي من أجلها خُلق العقل؛ ألا وهي الخروج من سبات الجمود، وركود الفكر، إلى فضاء البحث والتأمل والتدبر.

وفي تأملي لآيات القرآن الكريم، استوقفتني مشاهد قصة نبينا آدم -عليه السلام- مع إبليس -لعنه الله وأخزاه-؛ تلك القصة التي تكررت في مواضع شتى، وكأنها نداء متجدد لكل جيل، تحكي الصراع المستمر بين الخير والشر، وبين هدي الفطرة ووساوس الشيطان، حيث الإنسان هو محور تلك الصراعات.
وقد تبيّن لي من سياق الآيات كيف كان إبليس يمكر ويكيد لآدم، ويتفنن في حِيَله، حتى أخرجه من الجنة، محققًا ما سعى إليه.
ولم يكن سلاحه في ذلك إلا الوسوسة؛ أسلوبًا يعتمد على التزيين، ثم الإغراء، ثم الإغواء، في سُلّم شيطاني لا يخطئ هدفه إلا من عصم الله.

ويبدو من سياق الآيات أن إبليس خاطب آدم بما يوافق ما جُبلت عليه النفس البشرية من حب البقاء، والرغبة في دوام النعمة، فاستغل هذا المدخل في وسوسته، حتى بلغ غايته فيما أراد.

وكانت الشجرة هي الوسيلة التي اتخذها إبليس لإغواء آدم، إذ صوّرها له نافذة إلى الخلود، ومفتاحًا لملك لا يبلى، في أبلغ صور الخداع؛ فقد أوهمه أن في الأكل منها حياة أبدية، وملكًا لا يزول، رغم أن الله -عز وجل- قد نهاه عنها، وحذره من الاقتراب منها.
إنها شجرة الخلد كما صوّرها إبليس في وسوسته، قال تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ [طه: 120].
لقد جسّد إبليس شجرة الخلد في صورة الحلم الأزلي، فامتزج في خيال آدم -عليه السلام- حب البقاء مع وهم الملك الدائم، فتزايد الشوق، وضعف الحذر.
ورغم أن آدم -عليه السلام- خرج من الجنة بسبب زلته، فإن سرعة توبته واستغفاره كانت عنوان آدميته، ومصباح هداية لذريته من بعده.
ومن هذا المشهد القرآني، وإسقاطه على واقعنا المعاصر، أرى -من منظوري الشخصي- أن شجرة الخلد تتجدد في حياتنا كل يوم، وإن تنوعت أشكالها، واختلفت مسمياتها؛ فالمضمون واحد، وهو السقوط في المحظور بدافع الطمع وهوى النفس.
فما من خطيئة يرتكبها ابن آدم إلا ولها جذور في أعماق نفسه؛ فالطمع يدفع إلى أكل المال بالباطل، والاعتداء على الحرمات، والاستيلاء على الممتلكات، والأهواء تزين الانسياق وراء الملذات، فيستعبد الإنسان شهوته، ويغرق في مستنقع الغرائز.
لقد جُبلت حياة البشر على صراع لا ينتهي؛ صراع خفي بين الإنسان ونفسه، وآخر جلي بينه وبين الآخرين، وللشيطان في كل منهما دور أساس، ومكر محكم.
إن شجرة الخلد -من منظوري- ليست مجرد قصة، بل رمز حي لواقع متجدد، يتكرر في كل زمان، ويتمثل في كل محظور ومنكر، وكل شهوة زُينت في عين صاحبها.
وفي خضم هذه الصراعات المتلاحقة، تبقى رحمة الله هي النجاة، والتوفيق هو العصمة، والمنهج الرباني هو الطريق الوحيد الذي إن سلكناه أمِنّا من مكائد الشيطان ونزعات النفس الأمارة، فهو النور الذي نهتدي به، والعروة الوثقى التي نتمسك بها، لنكمل مسيرنا بأمان، ونتجاوز تلك العقبات، فنفوز بمحبة الله ورضاه، وبما وعد به عباده المتقين.
هناك… حيث ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights