مقالات صحفية

شكرًا حسام حسن

د. أحمد محمد الشربيني

في زمن تاهت فيه البوصلة، وانحنى كثيرون أمام عواصف المصالح، يطل علينا رجلٌ مصري أصيل وفارس رياضي نبيل، جعل من اسمه قدرًا، ومن موقفه تاريخًا يخلد في وجدان الأمة. إنه العميد حسام حسن، ذلك الحسام الصارم الذي لم يكتفِ بقيادة المنتخب المصري في أعظم محفل دولي، بل ارتقى إلى ما هو أسمى وأبقى، ليصنع الفارق الأخلاقي في عالم تاهت فيه القيم.

يا حسام، لقد أدركت ما غفل عنه الآخرون، أن الرياضة ليست مجرد ألعاب تُمارس لتحقيق مكاسب شخصية أو تمرير أجندات، بل هي منبرٌ يُسمع فيه الصوت، ورسالة تبلغ المدى، وسلاحٌ أنقى من الرصاص حين يحمله رجلٌ شريف. وبينما جعلها البعض وسيلةً لخدمة أغراضهم الصغيرة، جعلتها أنت وسيلةً لخدمة قضايا أمتك الكبرى، فكنت الصوت المسموع في عقر دار من يُفترض أن يكونوا صناع القرار، ورفعت راية فلسطين في ملاعبهم، لا لتكون مجرد لافتة عابرة، بل شهادةً للتاريخ بأن المصريين لا ينسون إخوانهم، وأن الكرة حين تُمارس بضمير تتحول إلى رسالة خالدة تزلزل الظالمين والمارقين والخائنين.

نعم، قد تذوي الألقاب، وتُمحى الأرقام القياسية، وقد تُنسى النتائج مع مرور الأيام، لكن ما فعله العميد حسام حسن سيظل محفورًا في سويداء قلوب كل عربي شريف؛ لأنه في لحظة اختُبرت فيها الضمائر، كان من الشجعان الذين قالوا كلمة الحق في مواجهة عالم صامت أو متواطئ، فتساءل بلهجة الموجوع: كيف ينتفض العالم إذا تعرض حيوان للأذى، بينما يُقتل الأبرياء من الأطفال والنساء في غزة؟
بهذا السؤال الصاعق وضع حسام حسن الإنسانية أمام مرآتها، وأثبت أن البطولة الحقيقية ليست في ركلات الترجيح أو التأهل إلى الأدوار المتقدمة، بل في أن يكون للرياضي قلبٌ ينبض بحرقة أمته، ولسانٌ ينطق بالحق دفاعًا عن قضيته، ولو كان الثمن باهظًا، وكان التربص حاضرًا. نعم، رأينا عينيك تدمعان على جراح إخوتك في فلسطين الحبيبة، فكفكف دموعك أيها البطل الشجاع، فهي دموع عز وفخر.

وتالله، ما أجمل أن يحمل هذا الرجل اسمًا يليق بجوهره! فهو «حسام»، أي السيف القاطع الذي يفصل بين الحق والباطل، و«حسن»، أي الجمال والنبل في المقصد والمنهج. لقد جمع بين حدِّ العزيمة وجمال الغاية، فكان قاسيًا على الباطل، رحيمًا بالمظلوم، متقنًا لعمله، بارًا بوطنه، لا ينام على جرح أمته. لم تكن قوته بطشًا، ولا حسمه غلظة، بل كانت عزيمةً لا تعرف الانكسار، وشجاعةً تأبى الخنوع والاندحار، وإصرارًا لا يرضى بغير بلوغ الغايات النبيلة، ووفاءً لا يفارق راية الوطن، وإن تاهت السبل لدى بعض الأشقاء تحت شعار: «الغاية تبرر الوسيلة».

فشكرًا يا عميد القلوب، لقد منحت مصر فوزًا لا تعادله مئة كأس عالم؛ فما قيمة البطولة إن كانت بلا ضمير؟ وما جدوى الانتصار إن صمت صاحبه عن جراح أمته؟ لقد جعلت من المونديال منصةً لإسماع صوت فلسطين، ومن رفع العلم هناك رسالةً أبلغ من آلاف البيانات، وأقوى من مئات الخطب والتصريحات. فالتاريخ لا يخلد أصحاب الألقاب والكؤوس، بل يخلد أصحاب المواقف التي ترفع الرؤوس، وأنت اليوم – فيما نحسب – تتربع في سجل الخالدين، وقد خُط اسمك بحروف من نور في قلوب الملايين.

فسلامًا على رجل جهر بالحق في أرض الظلم، ولم يخف في الله لومة لائم. سلامًا على من رفع راية فلسطين في ملاعب الكبار، وجعل من الكرة وسيلةً للدفاع عن الإنسانية. سلامًا على من علّم العالم أن الرجال لا تُقاس قيمتهم بأعمارهم، بل بمواقفهم، وأن العمر الحقيقي هو عمر العطاء والمواقف الشجاعة، وأن كلمة الحق في موطن الباطل تساوي حياةً كاملة.

عشت يا حسام، وسيبقى موقفك هذا نبراسًا للأجيال، وقنديلاً في دياجير الزمن العضال، يذكّر العالم بأن هناك دائمًا رجالًا يصنعون الفارق، لا بالألقاب بل بالقيم، ولا بالكؤوس بل بالضمير، ولا بالانتصارات الزائلة بل بالخلود الأخلاقي.

نعم، لقد فزنا بكأس الشرف والضمير والإنسانية، وهذا أعظم انتصار على الإطلاق. فأنت سفير مصر الحقيقي، وعميدها الذي رفع رأسها عاليًا في سماء المجد، وأثبت للعالم أن المصريين، حين يتحدثون، ينطقون بكلمات كالرصاص في الزمان والمكان المناسبين، وأن البطولة الحقيقية ليست في الملعب فقط، بل في المواقف الإنسانية الشجاعة التي تسجل أعظم الأهداف في تاريخ الإنسانية جمعاء.

بارك الله فيك وفي أمثالك، وجعل موقفك هذا نبراسًا يهتدي به الأحرار في كل زمان ومكان، وسيبقى صوت حسام حسن خير مقياس لنبض الجماهير المصرية، وأصدق ترجمان للضمير العربي المناصر للقضية الفلسطينية.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights