السلوك المهني… قبل الممارسة الإشرافية
خليل الهادي
مشرف إدارة مدرسية
في الميدان التربوي، قد لا تبقى في الذاكرة التفاصيل التي تدور خلال الزيارة الإشرافية، لكن يبقى أثر الطريقة التي يُدار بها الحوار، وأسلوب التعامل، والرسائل التي يتركها المشرف في نفوس المستهدفين بالزيارة. فالكلمة الطيبة، والاحترام، والإنصاف، وحسن الاستماع، ليست ممارسات ثانوية، بل هي جوهر السلوك المهني، والعامل الذي يمنح الإشراف قيمته الحقيقية، ويحول الزيارة من إجراء روتيني إلى تجربة مهنية مؤثرة.
ويُعد السلوك المهني منظومة متكاملة من المبادئ والقيم التي تحكم أداء الممارس، وتوجّه قراراته، وتعكس مستوى وعيه برسالته المهنية. فهو لا يقتصر على الالتزام بالأنظمة والتعليمات، بل يمتد ليشمل الصدق، والعدالة، والاحترام، والموضوعية، والالتزام، وحسن إدارة الوقت، والتعامل الإنساني الراقي مع الآخرين. وهذه القيم لا تُقاس بما يُقال عنها، وإنما بما يظهر منها في المواقف العملية، لأنها تمثل الصورة الحقيقية للممارس أمام زملائه وشركائه في العمل.
وفي الإشراف التربوي، يحتل السلوك المهني مكانة في نجاح الممارسة الإشرافية؛ فالمشرف لا يؤدي دورًا رقابيًا فحسب، وإنما يحمل رسالة تطوير، ويسعى إلى بناء الثقة، وتعزيز النمو المهني، وإيجاد بيئة عمل تقوم على الحوار والشراكة. لذلك فإن نجاح الزيارة لا يرتبط بكمية الخبرات التي يمتلكها المشرف، بقدر ما يرتبط بقدرته على توظيف تلك الخبرات بأسلوب يتسم بالحكمة، والاحترام، والإنصاف، وتقدير جهود العاملين في الميدان.
إن المشرف الذي يبدأ بالإنصات قبل الحديث، ويبحث عن مواطن القوة قبل رصد جوانب التحسين، ويقدم التغذية الراجعة بروح الشريك الداعم، يرسخ ثقافة مهنية إيجابية، ويجعل التطوير مسؤولية مشتركة لا عبئًا يُلقى على الآخرين. كما أن الحوار الهادف، والنقد البنّاء، والتقدير الصادق للجهود، تمثل أدوات فاعلة لا تحقق أثرها إلا عندما تستند إلى سلوك مهني رفيع.
وفي المقابل، لا تكتمل جودة الممارسة الإشرافية بتميز المشرف وحده، بل تعتمد كذلك على وعي المستهدفين بالزيارة الإشرافية بأهمية دورهم في إنجاحها. فالتوصيات الإشرافية ليست ملاحظات تُدوَّن في التقارير ثم تُنسى، وإنما هي فرص للتطوير، وأدوات لتحسين الأداء، ومنطلقات لبناء ممارسات أكثر جودة. ومن هنا، فإن السلوك المهني الإيجابي للمستهدفين بالزيارة يتمثل في تقبل التغذية الراجعة بعقلية مهنية، ومناقشة التوصيات بروح منفتحة، وتحويلها إلى خطط عمل واقعية، مع متابعة تنفيذها وقياس أثرها على الأداء. كما أن التعاون مع المشرف، والشفافية في عرض التحديات، والالتزام بما يتم الاتفاق عليه، تمثل ركائز أساسية لنجاح الزيارة وتحقيق أهدافها.
ختامًا
يبقى السلوك المهني هو البصمة التي تسبق المشرف إلى الميدان، وتظل حاضرة بعد انتهاء الزيارة. فالتقارير قد تُحفظ في الملفات، والتوصيات قد تتغير مع مرور الوقت، أما الأثر الذي تصنعه الأخلاق المهنية، وحسن التعامل، وصدق التوجيه، فإنه يبقى راسخًا في النفوس، ويؤتي ثماره في جودة الأداء واستدامة التطوير.



