عطاءٌ بقي في الذاكرة
عبدالعزيز الدهماني
كاتب، مهتم بالقراءة
لقد كنت صغيرًا في بداية مرحلتي التعليمية، ولكن ذلك الموقف كأني أراه اليوم؛ لعظم ذلك وروعته، فقد كنت عند انتهاء الفترة الأولى من الوقت الدراسي أنطلق مع أخي إلى المقصف؛ لشراء بعض الطعام الذي يعيننا على بقية اليوم الدراسي. ولا زلت أذكر ذلك المشهد الذي مرّ عليّ منذ سنوات تجاوزت ستة وعشرين سنة وأكثر.
أتذكر ذلك المعلم القدير، المشرف على التغذية الخاصة بالطلاب. لقد كان كريمًا أيّما كرم، فقد كانت قطعة من الجبن أو أحيانًا قطعتين لا يتردد في إعطائنا إياها نحن الطلاب، مع خبزة كبيرة تقارب حجم الكتاب المدرسي، بمبلغ زهيد جدًا. وقد كان يحرص على تلك النوعية من الخبز التي يعلم أنّ الطالب الواحد ستكفيه وزيادة، وتعينه على بقية يومه.
ما زال ذلك المشهد كأني أراه اليوم، حيث يتحدث صباحًا معهم في طلب التغذية، ولم أره يومًا يحضر لنا إلا تلك النوعية، ترافقه في ذلك طيبته الجمة وخلقه الحسن. هذه الحادثة قديمة، ولكنها لا زالت عالقة في ذهني. لم يكن هدفه من ذلك الربح الخيالي، بقدر ما كان يحرص على أن ينال أبناؤه الطلاب كفايتهم من الطعام الذي يعينهم على بقية يومهم الدراسي.
مرت سنوات على ذلك الموقف، وعلى تلك الأيام الدراسية، ولكنني لا زلت أذكر عظيم أثر ذلك المعلم. وكلما مرّ عليّ منظر “المقصف” أو ذكرى المدرسة، تذكرت عظيم عطائه. فبعض المواقف في جنبات المدارس لا تُنسى، ولها أثر عظيم باقٍ في أذهان أبنائها الطلاب، وكذلك المعلمين.
هنيئًا لعُمان معلميها، وأبنائها الطلاب، فما نحن إلا من تربة طيبة ولا تُخرِج إلا طيبًا. “ولا تنبت عُمان كما قال جلالة السلطان قابوس رحمه الله إلا طيبًا”.



