أسماء الرسول – صلى الله عليه وسلم – وألقابه: دراسة تاريخية – الجزء الثاني
د. أحمد الشربيني
(الملخص)
يعد هذا المقال خلاصة بحث تأصيلي يتناول دراسة أسماء النبي محمد ﷺ وألقابه من منظور تاريخي، مع الوقوف على دلالاتها اللغوية والشرعية، وتصويب خطأ شائع مفاده أنه أول من سُمي بـ”محمد” في الجزيرة العربية. وقد اعتمد البحث على المنهج الوصفي التحليلي، مستندًا إلى المصادر الأصلية من القرآن الكريم، والسنة النبوية، وكتب السير والتراجم والأنساب. يخلص البحث إلى أن اسم “محمد” كان معروفًا في الجاهلية، وقد تسمى به عدد من العرب قبل بعثة النبي، بينما اختص اسم “أحمد” بالنبي ﷺ فلم يسبقه إليه أحد، وذلك تحقيقًا للبشارات النبوية الواردة في الكتب السابقة، وحمايةً لهذا الاسم من الالتباس.
واليوم نتناول في الجزء الثاني من المقال هذا العنوان:
*(تصويب الخطأ الشائع حول التسمية بـ”محمد” و”أحمد”)*
*أولاً: اسم “محمد” في الجاهلية*
يظن كثير من الناس أن النبي ﷺ هو أول من سُمي بـ”محمد” في الجزيرة العربية، لكن الثابت تاريخيًا أن العرب في الجاهلية سموا بعض أبنائهم بهذا الاسم.
وقد شاع قبيل وجوده وميلاده أن نبيًّا يبعث اسمه محمد، فسمى قوم من العرب أبناءهم بذلك رجاء أن يكون أحدهم هو النبي الموعود. قال القاضي عياض في “الشفاء”: “في هذين الاسمين (محمد وأحمد) من عجائب خصائصه وبدائع آياته فن آخر هو أن الله جل اسمه حمى أن يسمى بهما أحد قبل زمانه، أما أحمد الذي أتى في الكتب وبشرت به الأنبياء فمنع الله بحكمته أن يسمى به أحد غيره … وكذلك محمد [أيضًا] لم يسم به أحد من العرب ولا غيرهم، إلى أن شاع قبيل وجوده وميلاده أن نبيا يبعث اسمه محمد، فسمى قوم قليل من العرب أبناءهم بذلك رجاء أن يكون أحدهم هو”.
وقد اختلف العلماء في عدد من تسمى بهذا الاسم قبل الإسلام:
*1-* القاضي عياض ذكر أنهم ستة.
*2-* السهيلي في “الروض الأنف” قال إنهم ثلاثة: محمد بن سفيان بن مجاشع، ومحمد بن أحيحة بن الجلاح، ومحمد بن حمدان.
*3-* ابن حجر في “فتح الباري” ذكر أنهم خمسة عشر شخصًا.
*4-* موقع إسلام ويب ذكر أنهم سبعة: محمد بن أحيحة بن الجلاح الأوسي، ومحمد بن مسلمة الأنصاري، ومحمد بن براء البكري، ومحمد بن سفيان بن مجاشع، ومحمد بن حمران الجعفي، ومحمد بن خزاعي السلمي، لا سابع لهم.
ومن أبرز هؤلاء:
*1-* محمد بن حمران الجعفي: شاعر جاهلي، لقب بـ”الشويعر”.
*2-* محمد بن سفيان بن مجاشع: قيل لأبيه إنه سيكون في العرب نبي اسمه محمد فسمى ابنه محمدًا. ويُقال إنه أول من سمي محمدًا.
*3-* محمد بن أحيحة بن الجلاح: يذكر عبدان المروزي أنه أول من تسمى في الجاهلية محمدًا.
ومما تجدر الإشارة إليه أن الله -بحكمته- حمى كل من تسمى بهذا الاسم قبله أن يدعي النبوة أو يدعيها له أحد، أو يظهر عليه سبب يشكك أحدًا في أمره، حتى تحققت له ﷺ ولم ينازعه فيها أحد.
*ثانيًا: اسم “أحمد” في الجاهلية*
أما اسم أحمد فثمة خلاف في شأنه:
*القول الأول:* أنه لم يتسم به أحد قبل النبي ﷺ، لا في الجاهلية ولا في زمنه ولا في زمن أصحابه. وهذا مما خصه الله به حماية لهذا الاسم الذي بشرت به الأنبياء في الكتب السابقة، حتى لا يدخل لبس على ضعيف القلب أو شك. وقد ورد في القرآن الكريم على لسان عيسى عليه السلام: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (الصف: 6).
*القول الثاني:* أن بعض العرب سموا بـ”أحمد” في الجاهلية. فقد ورد في كتاب “الاشتقاق” لابن دريد: “سمت العرب في الجاهلية أحمد، منهم أحمد بن ثمامة بن جدعاء بطن من طيئ، وأحمد بن دومان من بكيل بطن من همدان”. وذكر أيضًا أحمد بن زيد بن خداش.
ومع ذلك، فإن القول الراجح عند أكثر العلماء -كما نقله القاضي عياض- أن الله حمى اسم “أحمد” أن يسمى به أحد قبله، تحقيقًا للبشارة النبوية، وحتى لا يقع لبس في أمر النبوة. والروايات التي تذكر وجود من تسمى بأحمد في الجاهلية قد تكون نادرة وغير متواترة، أو أن التسمية كانت في قبائل بعيدة لم تشتهر، والله أعلم.
وهكذا فإن تعدد أسماء النبي محمد ﷺ وألقابه يدل على عظيم منزلته وكمال صفاته، وقد جاءت هذه الأسماء في القرآن والسنة لتعكس جوانب متعددة من رسالته وشخصيته.
أما القول بأنه أول من سُمي بـ”محمد” فهو غير دقيق تاريخيًا، إذ ثبت تسمية عدد من العرب بهذا الاسم في الجاهلية، وإن كان الله قد حماهم من ادعاء النبوة. وأما اسم “أحمد” فهو -على الراجح- اسم خاص لم يسبقه إليه أحد، تأكيدًا لما بشرت به الكتب السابقة، وإظهارًا لخصوصية هذا النبي الخاتم ﷺ.
اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.
بقلم: الدكتور أحمد محمد الشربيني، دكتوراه في علم اللغة والدراسات السامية والشرقية – كلية دار العلوم – جامعة القاهرة.
*_**_*__
*قائمة المصادر والمراجع*
1. القرآن الكريم – سور: آل عمران، الأحزاب، الفتح، محمد، الصف.
2. صحيح البخاري – حديث جبير بن مطعم رضي الله عنه في أسماء النبي الخمسة.
3. صحيح مسلم – حديث جبير بن مطعم رضي الله عنه.
4. الشفا بتعريف حقوق المصطفى – للقاضي عياض المالكي.
5. الروض الأنف – للسهيلي.
6. فتح الباري – لابن حجر العسقلاني.
7. الطبقات الكبرى – لابن سعد.
8. زاد المعاد – لابن القيم.
9. كنز العمال.
10. الاشتقاق – لابن دريد.
11. الإكليل – للهمداني.
12. إسلام ويب – فتوى: “الذين تسمَّوا باسم محمد قبل ظهور الإسلام”.
13. إسلام ويب – مقال: “أسماء النبي صلى الله عليه وسلم”.
14. صحيفة الخليج – “هل تسمى أحد بمحمد قبل الرسول؟” للدكتور عارف الشيخ.
15. موقع الألوكة – مقال: “أسماء النبي صلى الله عليه وسلم”.
16. ديوان الشويعر الجعفي – محمد بن حمران الجعفي.



