إلى وكلاء المساجد
سليمان بن حمد العامري
المساجد لله، وهذه الحقيقة ليست مجرد عبارة تقال للتبرك فحسب، بل هي أصل عظيم يُحدد معنى المسجد ومكانته في حياة المسلم. قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: 18]، وقال سبحانه: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [النور: 36]. ومن هنا، فإن المسجد ليس مجرد مبنى عادي، ولا مرفقًا يُنظر إليه بمنطق الفتح والإغلاق وحده، بل هو موطن للعبادة والسكينة، ومأمن تلجأ إليه القلوب قبل الأقدام.
ولذلك، يثور التساؤل حين تُغلق بعض المساجد بعد كل صلاة، فلا تُفتح إلا عند الصلاة التالية: هل هذا الإغلاق صادر عن توجيه رسمي من الجهة المختصة؟ أم أنه اجتهاد من بعض القائمين عليها؟ إن طرح هذا السؤال ليس غايته إثارة الخلاف، وإنما طلب الوضوح؛ لأن بيوت الله لا ينبغي أن تُدار بالعادات المتوارثة، بل بضوابط معلومة تراعي حرمتها وحاجة الناس إليها.
وحتى يكون المقصد واضحًا، فإن هذا المقال ليس عداوة لوكيل مسجد، ولا تقليلًا من شأن القائمين على بيوت الله، وإنما هو باب من أبواب النصح والمراجعة. فالإنسان، مهما بلغ من الحرص، يبقى محتاجًا إلى من يفتح معه باب الشورى، ويذكّره بأن الرأي إذا انفرد قد يضيق، وإذا شُورك فيه اتسع واعتدل. وهذا هو المنطلق الإسلامي الذي نرجو أن تُدار به شؤون بيوت الله: شورى، ورأفة، ونظام، لا تضييق ولا خصومة.
إن حاجة الإنسان إلى المسجد لا تأتي دائمًا في وقت الصلاة المفروضة؛ فقد يمر به ضيق أو خوف أو اضطراب لا يعلمه إلا الله، فيبحث عن مكان يهدأ فيه قلبه، ويسجد فيه بعيدًا عن ضجيج الناس. وقد يكون مسافرًا عابرًا، أو مريضًا محتاجًا إلى راحة، أو رجلًا من أهل الحي أراد لحظة ذكر وطمأنينة. فإذا وجد باب المسجد مغلقًا، فأين يمضي؟ وإذا كان أقرب ملجأ إلى الله هو بيته، فكيف يصبح هذا الملجأ مغلقًا في وجه من قصده؟
ولا يعني هذا أن تبقى المساجد بلا رعاية، فحفظها من العبث وصيانة نظافتها مسؤولية لا يستهان بها. لكن الإغلاق لا ينبغي أن يكون أول إجراء يُتخذ عند ظهور المشكلة، بل يجب أن يكون آخر خيار بعد بحث الأسباب ودراسة البدائل. فإذا وُجد خلل، يجب معرفة سببه أولًا: هل هو سوء استخدام؟ أم ضعف متابعة؟ أم خوف على الممتلكات؟ وبعد معرفة السبب، يمكن اختيار الإجراء المناسب. أما أن يتحول القفل إلى عادة دائمة، فذلك حل سهل، لكنه ليس بالضرورة الحل الأعدل ولا الأقرب لرسالة المسجد.
إن دور وكيل المسجد هو دور أمانة وخدمة، وليس دور تضييق ومنع. فهو مؤتمن على بيت من بيوت الله، ومطالب بحفظه، لكنه في الوقت نفسه مطالب بأن يستحضر أن المسجد وُضع للناس كي يعبدوا الله فيه ويذكروه. وكذلك العامل القائم على الخدمة ينبغي أن يعمل وفق توجيه واضح، لا وفق اجتهاد شخصي. فالقرار المتعلق ببيوت الله يجب أن يكون منضبطًا، معلومًا، ومراجعًا من الجهة المختصة، وليس أن يختلف من مسجد إلى آخر بلا معيار ظاهر.
والحديث هنا لا يتناول ساعات الليل المتأخرة التي قد تقتضي تنظيمًا خاصًا لأسباب أمنية، وإنما يتناول الفترة الممتدة من صلاة الفجر إلى صلاة العشاء؛ وهي ساعات حياة وحركة وعبادة. في هذا الوقت، يجب أن تكون المساجد أقرب إلى الناس، لا أبعد عنهم. فإن وُجدت ضرورة للإغلاق الجزئي، فلتكن الضرورة بقدرها، لا أن يصبح الإغلاق قاعدة عامة والفتح استثناءً مرتبطًا بدقائق الصلاة وحدها.
من هذا المنطلق، فإن المطلوب مراجعة هادئة تسأل عن سبب الإغلاق، وعن مدى الحاجة إليه، وعن البدائل الممكنة قبله. فقد تكون هناك وسائل أخرى أكثر اتزانًا، مثل تنظيم المتابعة، أو تحديد مسؤوليات الوكيل والعامل، أو فتح المسجد في أوقات النهار مع ضبط المرافق التي تحتاج إلى عناية خاصة. المهم ألا نبدأ من القفل، بل نصل إليه فقط إذا تعذرت الوسائل الأخرى.
وخلاصة الأمر أن المسجد، إذا كان بيتًا لله، فالأصل فيه أن يكون مفتوحًا للذاكرين والقاصدين والمحتاجين إلى السكينة، ما دام ذلك ممكنًا بلا ضرر ظاهر. فلتكن بيوت الله محفوظة بالنظام، لا محجوبة بالقفل؛ مصونة بالرعاية، لا مغلقة عن القلوب التي تبحث فيها عن رحمة الله، على أن يبقى الإغلاق دائمًا خط الدفاع الأخير.
وكل التحية والتقدير لكل من يخدم بيوت الله ويحافظ عليها.



