مقالات صحفية

​عندما تبحث عن الفراغ ولا تجده

طالب بن مبارك المقبالي

كاتب صحفي / رئيس تحرير صحيفة النبأ الإلكترونية

​تمضي الأيام والسنون دون أن نشعر بها، فتسترق أعمارنا.

اليوم هو غرة شهر محرم الحرام، وبداية عام هجري جديد. هذا اليوم يذكرني بعادةٍ اعتادها أحد أصدقائي القدامى الذين رحلوا عن دنيانا الفانية؛ حيث كان يطلب مني تغيير بطاريات ساعات الحائط في منزله، وتأتي هذه العادة من حرصه الشديد على متابعة أوقات الصلاة والقيام بالواجبات في وقتها. ومع هذه الذكرى، أسترجع كل لحظة قضيتها مع أصدقائي الراحلين.

​حين كنت على رأس عملي، كنا نلتقي يومياً، ونخرج سوياً بالسيارة قُبيل سويعات الأصيل، فنختار مكاناً نفترش فيه بساطاً في الهواء الطلق لنتناول التمر والقهوة، أو الشاي مع البسكويت وما حضر من الطيبات. وبعد صلاة المغرب، نذهب معاً إلى منزل أحدنا لنتناول وجبة العشاء، ثم يمضي كل منا إلى حال سبيله.

​وإذا حلّ ضيفٌ على أحدنا، يكون ضيفاً للجميع؛ إذ نجتمع في منزل الشخص الذي استضافه ولا نتركه بمفرده مع ضيفه. وبعد صلاة العصر، نلتقي في بيت أحدنا لتناول القهوة وتقديم واجب الضيافة، ثم نخرج جميعنا مع الضيف في جولة عامة في البلاد. وبعد صلاة المغرب، ننتقل إلى منزل شخص آخر لتناول وجبة العشاء إكمالاً لواجب الضيافة؛ فكما أسلفت، الضيف هو ضيف الجميع، وكل واحد منا يسهم في إكرامه، هذا إذا مكث الضيف إلى ذلك الوقت. وهكذا كنا نقضي وقتنا، فإذا لم يكن لدينا ضيف، نتدارس بعض العلوم الفقهية حتى نفترق. وإذا دعانا أحد الأصحاب من خارج الولاية لزيارته، نذهب سوياً تلبية لدعوته، ورداً للضيافة التي قمنا بها تجاهه سابقاً.

​هذا كله كان قبل التقاعد، في الوقت الذي كان لدي فيه ما يشغلني. لكنني في الوقت الذي احتجت فيه لملء الفراغ الذي أعيشه، وجدت نفسي وحيداً بلا مؤنس، رغم تقاعد أصحابي الآخرين الذين اختطوا لحياتهم الجديدة مساراً مختلفاً؛ فليس لديهم وقت لإضاعته مع من يبحث عن نسخة من أصحابه القدامى، كما أن لديهم أصدقاء جدداً تتلاءم ظروفهم مع ظروفهم الحالية.

​ولذلك، ملأت فراغي بإدارة صحيفة “النبأ” الإلكترونية، والتي كانت واحدة من الخيارات التي رسمتها ضمن خطة التقاعد قبل خمس سنوات من موعده. لكنني لم أخمن أنها ستكون كافية لسد الفراغ تماماً، حتى وجدت نفسي اليوم لا أجد وقتاً للخروج مع الأصدقاء؛ فهناك مؤتمر، وهنا ملتقى، وهناك ورشة عمل، وهنا اجتماع، وهناك زيارات عمل، ناهيك عن الوقت المستقطع للتصميم ومراجعة وتدقيق المواد المراد نشرها في الصحيفة.

​لقد أصبحت أوزع الأدوار على الزملاء والمراسلين الصحفيين؛ ففي بعض الأيام تتوالى الفعاليات من الأحد إلى الخميس في مسقط وبقية المحافظات، وفي كل محافظة أنتدب أحداً للقيام بواجب التغطية أو الحضور الشرفي. وبهذه الطريقة ملأت فراغي، حتى أصبحتُ بالكاد أجد وقتاً لألتقي بصديق.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights