مقالات صحفية

اليأس المحدود

عواطف السعدية

كثيرًا ما يُقال إن الحزن والمعاناة من أقسى ما يواجهه الإنسان في حياته، وقد حاولت طويلًا أن أفهم هذا الشعور، لأن لي معه تجربة قريبة وممتدة. لكنني أدركت أن الخسارة الحقيقية لا تكمن في الحزن ذاته، بل في أن يعيش الإنسان عمره كله غارقًا في أفراح الحياة أو أتراحها دون أن يعرف نفسه معرفة حقيقية، ودون أن يدرك علاقته بخالقه ومعنى وجوده في هذه الحياة.
إن أعظم ما يمكن أن يصل إليه الإنسان هو أن يعي ذاته، وأن يستشعر حضور الله في حياته، وأن يدرك أن قيمته الحقيقية لا تُقاس بما يملك أو يحقق، بل بمدى قربه من هذه الحقيقة العميقة. وحين يغيب هذا الإدراك، يصبح الإنسان عرضة لنوع من البؤس الخفي الذي قد لا يراه أحد، بل قد لا يراه صاحبه نفسه.
فأخطر أنواع اليأس ليست تلك التي تظهر على هيئة دموع أو شكوى أو انكسار واضح، وإنما ذلك اليأس الصامت الذي يتسلل إلى النفس حتى يصبح جزءًا من تكوينها. يواصل الإنسان حياته بصورة طبيعية، ينجز ويعمل ويخالط الناس، لكنه في داخله يشعر بفراغ لا يعرف له تفسيرًا، وبوحشة لا يراها من حوله.
وعندما تهدأ ضوضاء الحياة، وتتراجع مشاغلها اليومية، ويجد الإنسان نفسه وحيدًا أمام ذاته، يبرز السؤال الحقيقي: هل عشت حياتك كما ينبغي؟ هل كنت قريبًا من نفسك ومن ربك؟ أم أنك انشغلت بكل شيء إلا بما هو أهم؟
في تلك اللحظة لا فرق بين غني وفقير، ولا بين مشهور ومجهول، ولا بين من حاز المناصب ومن عاش بعيدًا عن الأضواء. فالحياة تطرح على الجميع السؤال ذاته: هل عشت حياة حقيقية، أم عشت هاربًا من ذاتك؟
إن الإنسان خُلق ليكون نفسه، لا نسخة مكررة من الآخرين. لكنه أحيانًا يستسلم لضغط المجتمع وتوقعات الناس، فيذوب في الجموع وينسى هويته الخاصة. يخشى الاختلاف، ويتردد في التعبير عن ذاته، فيختار الطريق الأسهل: أن يكون مثل الجميع.
وهنا يبدأ ما يمكن أن نسميه «اليأس المحدود»، وهو افتقاد الإنسان للبعد اللامحدود في وجوده، ذلك البعد المرتبط بالروح والإيمان والمعنى. فيتحول إلى رقم بين الأرقام، وصورة تشبه آلاف الصور، وينشغل بإرضاء الآخرين أكثر من انشغاله بفهم نفسه.
والغريب أن هذا النوع من اليأس قد لا يلفت انتباه أحد، بل قد يبدو صاحبه ناجحًا في نظر المجتمع. فقد يحقق المال والمكانة والشهرة، ويتنقل من نجاح إلى آخر، بينما يفقد في المقابل شيئًا أثمن من كل ذلك: نفسه الحقيقية.
إن النجاح الخارجي لا يكفي وحده لصناعة السعادة، كما أن كثرة الإنجازات لا تعوض غياب المعنى. فالإنسان يحتاج إلى ما هو أبعد من المكاسب المادية؛ يحتاج إلى الطمأنينة التي تأتي من معرفة نفسه، وإلى السكينة التي تنبع من الإيمان، وإلى الشعور بأن لحياته غاية تتجاوز حدود الدنيا.
لذلك فإن الخطر الأكبر ليس أن يفشل الإنسان في بعض أمور حياته، بل أن ينجح في كل شيء بينما يفقد نفسه في الطريق.
فالسعادة الحقيقية ليست فيما نملك، بل فيما نكون. وليست في كثرة الإنجازات، بل في سلام الروح وصدق العلاقة مع الله ومع الذات. ومن وجد نفسه في هذا الطريق، فقد وجد أعظم ما يمكن أن يجده الإنسان في حياته.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights