إلى معالي وزيرة التعليم… بدل الاعتذار
محمد بن حمدون السلطي
«لكل مجتهد نصيب»… قاعدة تعلمناها جميعًا منذ الصغر، غير أن مئات معلمات تقنية المعلومات ما زلن ينتظرن نصيبهن من هذه القاعدة، بعد سنوات طويلة من الدراسة والتأهيل واجتياز الاختبارات والمقابلات، دون أن تتحول جهودهن إلى فرصة عمل مستقرة.
ففي كل عام تتكرر الرسالة ذاتها: «نعتذر لعدم توفر الشواغر». رسالة تتلقاها أعداد كبيرة من خريجات تقنية المعلومات اللاتي اجتزن الاختبارات والتقييمات المطلوبة لشغل وظيفة معلمة تقنية معلومات، بينما يظل عدد المعينات محدودًا مقارنة بأعداد المنتظرات على قوائم التوظيف.
إن هذه القضية لا تتعلق بمجرد أرقام أو قوائم انتظار، بل ترتبط بمستقبل شريحة واسعة من المواطنات العُمانيات اللواتي استثمرن سنوات من أعمارهن في التعليم والتأهيل، واستثمرت الدولة بدورها في إعدادهن أكاديميًا وتربويًا، ليصبحن قادرات على أداء دور مهم في بناء أجيال المستقبل، خاصة في عصر يشهد تسارعًا غير مسبوق في مجالات التقنية والذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي.
لقد مضت سنوات طويلة على انتظار بعض الخريجات، حتى تجاوزت أعمار عدد منهن الأربعين عامًا، بينما ما زالت فرص التوظيف بعيدة المنال. ولا يقتصر أثر هذا التأخير على فقدان فرصة العمل فحسب، بل يمتد إلى التأثير على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، وعلى فرص الاستفادة من المزايا الوظيفية والتقاعدية المرتبطة بسنوات الخدمة وفق الأنظمة المعمول بها.
وما يزيد من تعقيد المشهد استمرار تخريج أعداد جديدة سنويًا في التخصص نفسه، وطرح برامج التأهيل التربوي للخريجات، في وقت ما تزال فيه أعداد كبيرة من المؤهلات تنتظر فرصة التعيين. وهنا يبرز تساؤل مشروع حول مواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات سوق العمل، ومدى وجود خطط استباقية تستوعب هذه الأعداد وتوفر لها مسارات واضحة ومستدامة.
لقد طُرحت القضية في مناسبات عديدة، ووصلت إلى جهات مختلفة، من بينها مجلس الشورى والجهات الحكومية ذات العلاقة، إلا أن الخريجات ما زلن ينتظرن حلولًا عملية تعالج أصل المشكلة، لا مجرد تأجيلها من عام إلى آخر.
ولا شك أن وزارة التعليم تمتلك خبرات تراكمية كبيرة في إدارة الموارد البشرية والتخطيط التعليمي، وقد نجحت خلال السنوات الماضية في استحداث تخصصات ومسميات وظيفية مختلفة لاستيعاب احتياجات المنظومة التعليمية. ومن هنا فإن الأمل ما زال قائمًا في إيجاد معالجات واقعية لهذا الملف، سواء من خلال التوسع في الاستفادة من الكفاءات الوطنية المؤهلة، أو إيجاد مسارات وظيفية وتعليمية جديدة تتوافق مع متطلبات التحول الرقمي الذي تتجه إليه المؤسسات التعليمية.
إن جوهر القضية لا يكمن في المطالبة بامتيازات استثنائية، بل في البحث عن فرصة عادلة لكفاءات وطنية مؤهلة أثبتت جدارتها واجتازت ما طُلب منها من اختبارات وإجراءات. وهي قضية تستحق الدراسة والمعالجة من منظور وطني وتنموي وإنساني في آن واحد.
معالي الوزيرة…
إن مئات معلمات تقنية المعلومات لا يطلبن سوى فرصة لإثبات قدراتهن وخدمة وطنهن من خلال الميدان التربوي الذي تأهلن من أجله. وما زال الأمل يحدوهن بأن يجد هذا الملف ما يستحقه من اهتمام ودراسة، وصولًا إلى حلول عملية تفتح أمامهن أبواب العمل والعطاء، وتمنحهن الاستقرار الذي انتظرنه طويلًا.
فخلف كل اسم في قوائم الانتظار قصة طموح، وخلف كل شهادة سنوات من الاجتهاد، وخلف كل معلمة تنتظر وظيفة حلمٌ مشروع بحياة كريمة ومستقبل أكثر استقرارًا.



