مقالات صحفية

رحيل خاطف وأثر خالد

جمال بن سالم المعولي

تتوقف الكلمات أحيانًا أمام المواقف العظيمة، ويعجز القلم عن وصف الألم حين نفقد إنسانًا كان جزءًا أصيلًا من تفاصيل حياتنا، ومصدرًا للدفء والألفة في كل لقاء. واليوم، نودّع خالي الغالي “سيف”، بعد رحلة قصيرة مع المرض رحل فيها سريعًا، وكأن القدر لم يمهلنا لنستوعب خبر مرضه حتى فُجعنا بنبأ وفاته.

كان رحيله صدمةً موجعةً لكل من عرفه؛ فما بين بداية المرض ولقاء ربه أيامٌ قليلة، تركت في القلوب غصةً لا تزال تؤلمنا. ولم يكن وقع الفقد على أسرته وحدها، بل امتد إلى كل قريب وصديق وجار؛ فقد كان رجلًا محبوبًا، قريبًا من النفوس، يحمل قلبًا كبيرًا يتسع لكل من حوله.

لقد عرفناه كريمًا لا يتردد في البذل والعطاء، كان بيته مفتوحًا، ومائدته عامرة، ووجهه بشوشًا يستقبل الجميع بابتسامة صادقة لا تفارقه. لم يكن الكرم عنده مجرد عادة، بل كان خلقًا أصيلًا وسجيةً راسخة؛ يفرح بإكرام ضيوفه، ويسعد بقضاء حوائج الناس، ويرى في خدمة الآخرين شرفًا له.

أما نحن أبناء العائلة، فقد غمرنا بإحسانه وطيبته، ولم يبخل علينا يومًا بوقته أو اهتمامه أو دعمه. وكان، رغم انشغالاته، حريصًا على صلة الرحم، يزورنا ويسأل عنا، ويجمعنا بكلماته الطيبة وضحكاته الصادقة. وربما قصّرنا نحن في زيارته أو السؤال عنه في بعض الأوقات، لكن ذلك لم يغيّر شيئًا من صفاء قلبه ولا من محبته لنا؛ وهذا ما يزيد من ألم الفقد، ويجعلنا نستشعر حجم التقصير بعد أن فات أوان الاعتذار.

كان خالي “سيف” صاحب مجلسٍ لا يُمل، يزرع البهجة في النفوس، ويملأ المكان بروحه المرحة، وضحكاته العفوية، وأحاديثه الجميلة التي تمتزج فيها الحكمة بالطرافة. إذا حضر أشرق المجلس، وإذا تحدث أنصت الجميع، وإذا غاب شعرنا بفراغٍ كبير لا يملؤه أحد.
كان صاحب معروفٍ يصعب حصره، وأيادٍ بيضاء امتدت إلى كثيرين دون انتظار مقابل. ترك في القلوب محبةً صادقة، وفي النفوس ذكرى طيبة، وفي حياة من عرفوه مواقف خالدة ستظل تُروى جيلًا بعد جيل.

اليوم، وقد غاب جسده عن الدنيا، بقيت سيرته العطرة حاضرة بيننا، وبقيت أخلاقه ومواقفه شاهدًا على حياةٍ أفناها في الخير، وصلة الرحم، والإحسان إلى الناس.

نسأل الله تعالى أن يجعل كل ما قدمه من خير في ميزان حسناته، وأن يغفر له، ويرحمه رحمةً واسعة، ويجعل قبره روضةً من رياض الجنة، وأن يجمعه بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.

رحمك الله يا خالي سيف.. رحلت عن أعيننا لكنك لن ترحل من قلوبنا، وستبقى ذكراك الطيبة حاضرةً في كل مجلس، ودعواتنا لك لا تنقطع ما حيينا.

﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights