مقالات صحفية

فياض الكندي .. رحل الجسد وبقي درس الصبر

  محمد بن سعيد العلوي

هناك أناس يمرون في حياتنا كما يمر العابرون، ثم يمضون فلا يبقى من أثرهم إلا ذكرى عابرة، وهناك أناس آخرون يكتبون حضورهم في قلوب الناس بأفعالهم ومواقفهم وصبرهم، حتى إذا رحلوا شعرنا أن شيئًا جميلًا قد غاب عن هذه الحياة، وأن مكانًا في القلب أصبح خاليًا لا يملؤه أحد.

قبل أيام، فجعنا بخبر وفاة الشاب الطموح فياض الكندي، ذلك الشاب الذي لم يكن مجرد إنسان واجه المرض، بل كان نموذجًا حيًا للصبر والإيمان والاحتساب، وأحد أولئك الذين علّمونا، من خلال معاناتهم، أن الإنسان قد يُبتلى في جسده، لكنه يستطيع أن ينتصر بروحه وإيمانه وثقته بالله عز وجل.

رحل فياض، لكن رحيله لم يكن عابرًا في نفوس من عرفوه، فقد ترك خلفه سيرة تستحق أن تُروى، وتجربة تستحق أن نتوقف عندها طويلًا، وكلمات ومواقف ستظل شاهدًا على أن الإيمان الحقيقي يظهر في أصعب الظروف، حين تضيق السبل، وتتعب الأجساد، وتشتد المحن.

لقد عاش فياض تجربة قاسية، وواجه معاناة طويلة خلال فترة علاجه، وما رافقها من تبعات وآلام ومعاناة، إلا أنه استطاع أن يحول محنته إلى رسالة، وألمه إلى درس، وابتلاءه إلى باب للتقرب إلى الله سبحانه وتعالى.

وكم هو مؤلم أن نرى شابًا في مقتبل العمر يعيش كل هذه المعاناة، وكم هو أصعب على الإنسان أن يرى أحلامه وطموحاته تتوقف أمام ظروف لم يخترها، لكن الأجمل والأعظم أن ترى إنسانًا، رغم كل ذلك، يرفع يديه إلى السماء، ويقول بلسان حاله قبل مقاله: يا رب، أنت أعلم بحالي، وأنت أرحم بي من نفسي.

لقد شاهدنا وسمعنا فياض في عدد من اللقاءات وهو يتحدث عن تجربته، فلم يكن حديثه حديث إنسان مستسلم لليأس، ولا حديث شخص ناقم على قدر الله، وإنما كان حديث إنسان أدرك أن البلاء سنة من سنن الحياة، وأن المؤمن بين الصبر والدعاء والأخذ بالأسباب.

كان يتحدث عن الصبر وكأنه يروي تجربة عاشها بكل تفاصيلها، ويتحدث عن التضرع إلى الله وكأنه وجد في الدعاء ملاذًا لا يخيب، ويتحدث عن الأخذ بالأسباب وكأنه يدرك أن التوكل على الله لا يعني ترك السعي، بل يعني أن يبذل الإنسان ما يستطيع، ثم يسلّم أمره لله.

وهنا تكمن عظمة هذا الشاب.

فليس الصبر أن يتوقف الإنسان عن الشعور بالألم، وليس الصبر أن لا يحزن أو يتعب أو يضعف؛ فالبشر بشر، والمرض يؤلم، والفقد موجع، والانتظار مرهق، ولكن الصبر الحقيقي هو أن يبقى قلب الإنسان متعلقًا بالله، حتى عندما تتعبه الحياة.

وقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.

أي منزلة أعظم من أن يكون أجر الصابرين بلا حساب؟ وأي تكريم أعظم من أن يفتح الله للصابرين من أبواب الأجر ما لا يخطر على بال؟

لقد كان فياض، في تجربته ومعاناته، يذكرنا بقصة نبي الله أيوب عليه السلام، ذلك النبي الكريم الذي ابتلاه الله في جسده وماله وأهله، فكان مثالًا خالدًا للصبر والثبات.

قال الله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ۝ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ﴾.

لم يكن أيوب عليه السلام خاليًا من الألم، ولكنه كان ممتلئًا باليقين.

ولم يكن خاليًا من الحزن، ولكنه كان متعلقًا برحمة الله.

ولم يكن لا يشعر بالبلاء، ولكنه كان يعلم أن وراء البلاء ربًا رحيمًا، وأن وراء المحنة حكمة، وأن بعد العسر يسرًا.

وهكذا كان فياض، في نظر كل من تابع تجربته وسمع حديثه، يرسل رسالة إلى كل مبتلى، مفادها أن المرض مهما طال، والألم مهما اشتد، فإن رحمة الله أوسع، وأن أبواب السماء لا تُغلق أمام من طرقها بالدعاء واليقين.

لقد كان بإمكانه أن يتحدث عن معاناته بلغة الألم وحدها، وأن يجعل من قصته مساحة للشكوى، لكن ما شاهدناه منه كان أكبر من ذلك؛ فقد اختار أن يحول تجربته إلى نافذة أمل للآخرين، وأن يجعل من حياته رسالة لكل مريض، ولكل إنسان يواجه ابتلاءً، ولكل أسرة تقف بجوار عزيز عليها وهي تبحث له عن بارقة أمل.

وهذا هو الأثر الحقيقي الذي يتركه الإنسان بعد رحيله.

فليس الإرث دائمًا مالًا يُقسم، ولا بيتًا يُورث، ولا منصبًا يُذكر، بل قد يكون كلمة طيبة، أو موقفًا نبيلًا، أو ابتسامة في وجه إنسان، أو درسًا في الصبر، أو دعوة إلى الله، أو أثرًا طيبًا يبقى في نفوس الناس بعد أن يغيب صاحبه.

وإن كان الموت قد غيّب فياض عن أعيننا، فإنه لم يستطع أن يغيب أثره.

سيبقى في ذاكرة من عرفه ذلك الشاب الذي قاوم الألم بابتسامة، وواجه المرض بإيمان، واستقبل الابتلاء بالصبر، وتمسك بالله، ولم يجعل من محنته سببًا لليأس، بل جعل منها طريقًا للرجوع إلى الله.

رحل فياض، وربما انتهت رحلته في هذه الدنيا، لكننا لا نملك إلا أن نحسن الظن بربه، وأن نرجو له من الله واسع الرحمة والمغفرة.

ونحن لا نزكي على الله أحدًا، ولكننا نشهد بما رأيناه وسمعناه من صبره واحتسابه، ونرجو أن يكون ما أصابه من مرض وألم ومعاناة رفعة لدرجاته وتكفيرًا لسيئاته، وأن يجعل الله كل لحظة ألم مر بها، وكل ليلة تعب عاشها، وكل دعوة خرجت من قلبه، وكل صبر احتسبه عند الله، نورًا له في قبره، وسببًا في رفعة منزلته عند ربه.

يا فياض..

ربما لم نعرفك جميعًا معرفة شخصية، ولكن قصتك وصلت إلى قلوبنا، وصبرك علّمنا، وكلماتك بقيت في ذاكرتنا.

علّمتنا أن الإنسان قد يخسر أشياء كثيرة في هذه الدنيا، لكنه لا يخسر شيئًا ما دام قلبه معلقًا بالله.

علّمتنا أن البلاء قد يكسر الجسد، لكنه لا يستطيع أن يكسر روحًا آمنت بالله.

علّمتنا أن الدعاء ليس آخر ما نفعله حين تنقطع الأسباب، بل هو أول ما ينبغي أن نلجأ إليه ونحن نأخذ بالأسباب.

علّمتنا أن الصبر ليس كلمة تُقال، وإنما موقف يُعاش.

ولعل أجمل ما يمكن أن نفعله لمن رحلوا عنا أن نحفظ أثرهم الطيب، وأن ندعو لهم بصدق، وأن نتعلم من سيرتهم ما ينفعنا في هذه الحياة.

ويا من تقرأ قصة فياض اليوم، ربما تكون أنت أيضًا تحمل في قلبك ألمًا لا يعرفه أحد، أو مرضًا تخفيه عن الناس، أو مشكلة أثقلت كاهلك، أو أمنية طال انتظارها، أو بابًا طرقتَه كثيرًا ولم يُفتح بعد..

تذكر فياض.

وتذكر أيوب عليه السلام.

وتذكر أن الله لا يضيع أجر الصابرين.

لا تجعل تأخر الفرج سببًا لسوء الظن بالله، ولا تجعل شدة البلاء تدفعك إلى اليأس. خذ بالأسباب، وادع الله، واصبر، وثق أن الله أرحم بك من كل أحد.

فكم من محنة كانت بداية منحة، وكم من ألم كان سببًا في قرب الإنسان من ربه، وكم من دعاء خرج من قلب منكسر ففتح الله له أبوابًا لم يكن يتوقعها.

وإلى أسرة فياض الكندي الكريمة، وإلى والديه وأهله وأصدقائه وأحبابه، وإلى كل من عرفه وأحبه وتألم لفقده، أتقدم بخالص التعازي وصادق المواساة، سائلاً الله تعالى أن يجبر مصابكم، ويعظم أجركم، ويحسن عزاءكم، وأن يربط على قلوبكم بالصبر والإيمان. إن فقد الأحبة موجع، ولكن عزاءنا أن فياضًا ترك أثرًا طيبًا وسيرة عطرة ستبقى حاضرة في قلوب كل من عرفه، وأن ما تركه من دروس في الصبر والاحتساب والتضرع إلى الله سيظل شاهدًا على حياة عاشها مؤمنًا، ورحل عنها راجيًا رحمة ربه. نسأل الله أن يجعل لقاءنا به في دار لا فراق فيها، وأن يجمعنا وإياه ومن نحب في الفردوس الأعلى من الجنة، وأن يعوض أهله ومحبيه عن فقده بالصبر والسلوان والأجر العظيم.

وفي الختام..

رحم الله فياض الكندي رحمة واسعة، وغفر له، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما أصابه من مرض وألم ومعاناة كفارة لذنوبه ورفعة في درجاته، وجعل قبره روضة من رياض الجنة، وأنس وحشته، وثبته عند السؤال، وأكرم نزله، ووسع مدخله.

اللهم إن فياضًا قد أتاك وحيدًا، فكن له يا الله خير مؤنس، اللهم آنس وحشته، وارحم غربته، واغفر ذنبه، وتجاوز عن تقصيره، وأكرم نزله، واجعل القرآن أنيسه، والجنة داره، والفردوس الأعلى مستقره.

اللهم اجعل كل ألم تألم به في الدنيا رفعة له في الآخرة، وكل صبر صبره شاهدًا له، وكل دعاء دعا به نورًا بين يديه.

اللهم اجبر قلوب والديه وأسرته وأهله ومحبيه، واربط على قلوبهم، وألهمهم الصبر والسلوان، واجعل فقدهم له بابًا من أبواب الأجر والرحمة.

اللهم اجمعنا به، واجمعه بوالديه وأهله وأحبابه، في جنات النعيم، في مقعد صدق عند مليك مقتدر، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.

رحمك الله يا فياض..

رحلت عن الدنيا، لكنك تركت خلفك درسًا لن يموت.

درسًا عنوانه الصبر..

ومضمونه الإيمان..

وروحه الدعاء..

ونهايته حسن الظن بالله.

نم قرير العين يا صاحب الصبر الجميل، فما عند الله خير وأبقى، وما عند الله للصابرين أعظم وأكرم.

إنا لله وإنا إليه راجعون.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights