تهنئة
الثلاثاء: 02 يونيو 2026م - العدد رقم 2934
مقالات صحفية

الانسحاب بعد الخذلان

د. طالب بن خليفة الهطالي
نادرا ما يولد الحسد دفعة واحدة لأن بدايته الحقيقية تكون غالبا في لحظة مقارنة هادئة حين يرى الإنسان نعمة كان يتمنى أن تستقر في حياته لا في حياة غيره، ومن هناك يبدأ شيء خفي في الداخل بالاختلال حتى تصبح تفاوتات الحياة أثقل على النفس من قدرتها على الاحتمال.
وقد أشار ليون فستنغر في نظرية المقارنة الاجتماعية عام 1954 إلى أن الإنسان يميل بطبيعته إلى تقييم ذاته من خلال مقارنة نفسه بالآخرين وأن هذه المقارنات قد تتحول إلى ضغط نفسي حين يفقد الإنسان اتزانه الداخلي أو يصبح تقديره لذاته معلقا بما يراه عند غيره، ولا تؤذي المقارنة الإنسان ما دام قادرا على رؤية نجاح الآخرين دون شعور خفي بالخسارة لكن بعض النفوس لا تحتمل الضوء حين لا يكون مسلطا عليها فتبدأ بتقليل قيمة ما تعجز عن امتلاكه حتى يصبح أكثر قابلية للتحمل.
أشار القرآن الكريم إلى هذه الطبيعة الإنسانية في قوله تعالى ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء :54] وجاء في كتاب إحياء علوم الدين وصف الإمام أبو حامد الغزالي الحسد بأنه ألمٌ يصيب النفس عند رؤية النعمة عند غيرها لا لضرر وقع عليها، بل لأنها لم تستطع تقبل أن الحياة لا توزع أقدارها بالصورة التي تشتهيها النفوس، ومن هنا تبدأ بعض المظالم التي لا يراها أحد لأن الأذى لا يأتي دائما في هيئة عداء واضح، بل قد يظهر في صورة تقليل هادئ أو تجاهل متكرر أو تشكيك مستمر يترك داخل الإنسان شعور غامض بأنه مطالب طوال الوقت بالدفاع عن قيمته ووجوده.
أشارت [2007.Robin Stern] الأمريكية في كتابها متلازمة التلاعب النفسي إلى أن بعض أشكال الإيذاء النفسي لا تعتمد على العنف المباشر، بل على إرباك الإنسان تدريجيا حتى يفقد ثقته بمشاعره وإدراكه لنفسه، ولهذا فإن أخطر المظالم ليست تلك التي تجرح الإنسان مرة واحدة، بل تلك التي تعيد تشكيله ببطء، لأن الكلمة العابرة والتقليل المتكرر والتجاهل الذي يحدث بصمت قد لا يترك أثرا يرى لكنه يستهلك شيئا عميقا في الداخل حتى يصبح الإنسان أقل طمأنينة وأكثر ارتيابا بنفسه وبالناس من حوله وربما لهذا جاء التحذير القرآني شديدا من كل أذى يثقل أرواح البشر حين قال الله تعالى ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ [الأحزاب :58].
وفي بيئات الأعمال والعلاقات القريبة تحديدا يصبح هذا الأذى أكثر تعقيدا لأنه يمارس غالبا بهدوء شديد حتى يبدو للآخرين عاديا بينما يعيش الطرف الآخر تحت ضغط نفسي طويل يجعله يفقد علاقته الطبيعية بالحياة دون أن يستطيع أحيانا تفسير ما يحدث له بدقة، وقد أظهرت أبحاث كريستينا ماسلاش ومايكل لايتر حول الاحتراق النفسي المهني خلال تسعينيات القرن العشرين أن البيئات المليئة بالتقليل والتوتر المستمر لا تستهلك الجهد فقط، بل تستهلك المعنى الداخلي للحياة والعمل معا.
ولهذا فإن بعض الناس لا يسقطون بسبب حادثة كبرى، بل بسبب تراكم بطيء من الجراح الصغيرة التي لم يرها أحد، بعدها تبدأ أكثر الأسئلة قسوة داخل التجربة الإنسانية هل كل مواجهة قادرة فعلا على إعادة ما يتآكل بصمت في الداخل أم أن بعض النجاة تبدأ حين يدرك الإنسان متى يتوقف عن استنزاف روحه في معارك لا تنتهي؟.
يعتقد البعض أن المواجهة هي الصورة الوحيدة للشجاعة وأن التراجع عن بعض المعارك نوع من الضعف لكن التجربة الإنسانية أكثر التواء من هذه الأحكام السريعة لأن الإنسان لا يخرج دائما من المواجهات منتصرا كما يتخيل، بل قد يخرج منها فاقدا لشيء أعمق من النصر نفسه فهو حين يدخل صراعا طويل لا يواجه خصما فقط، بل يواجه استنزافا متواصلا للأعصاب والروح والقدرة على الاتزان، ومع الوقت قد تتحول الرغبة في استرداد الحق إلى حالة استنفار دائمة يعيش فيها الإنسان وكأنه مطالب طوال الوقت بحماية نفسه من الانهيار.
ولهذا فإن بعض الناس لا تنهكهم المظالم وحدها، بل ينهكهم البقاء الطويل داخل دائرة الدفاع لأن العقل حين يعتاد التوتر يفقد بالتدريج قدرته على السكون ويصبح الإنسان أسير يقظة داخلية لا تنطفئ حتى في أكثر لحظات حياته هدوءا، وليست كل المواجهات قادرة على إعادة التوازن لأن بعض القضايا إذا دفعت إلى نهاياتها قد تترك خلفها تصدعات لا يمكن ترميمها بسهولة خصوصا حين تكون متشابكة مع أسرة، أو شراكة، أو علاقة قريبة، أو بيئة عمل.
السؤال ليس كيف أسترد حقي فقط، بل ماذا سأخسر من نفسي وأنا أحاول ذلك؟ وهذا لا يعني تبرير الظلم أو تمجيد الصمت لأن حفظ الحقوق ضرورة أخلاقية وإنسانية لكن الحكمة الحقيقية تكمن في معرفة اللحظة التي تتحول فيها المواجهة من وسيلة لحماية الإنسان إلى آلة تستهلكه ببطء ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت :34] فالآية لا تدعو إلى الاستسلام، بل تدعو إلى وعي يحمي الإنسان من أن يتحول تحت ضغط الأذى إلى صورة أخرى من القسوة التي يقاومها.
ليست كل مغادرة ضعفا لأن الإنسان قد يبقى أحيانا داخل بعض المعارك حتى يفقد شيئا من نفسه وهو يظن أنه يدافع عنها. وقد أشار فيكتور فرانكل في كتابه الإنسان يبحث عن معنى إلى أن الإنسان لا ينهار من الألم وحده، بل حين يفقد المعنى الذي يجعله قادرا على احتماله. ولهذا فإن بعض الصراعات إذا طالت لا تترك الإنسان متعبا فقط، بل تسلبه هدوءه وقدرته على الحياة دون خوف دائم.
ويتجلى هذا المعنى بعمق في قصة يوسف عليه السلام حين لم تسمح له المعاناة أن يتحول إلى إنسان غارق في الانتقام رغم كل ما مر به ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ [سورة يوسف الآية 92] ولم تكن تلك الكلمات لحظة عفو مجردة بقدر ما كانت انتصارا على القسوة التي كان يمكن أن تسكن داخله، فإن أكثر الناس نضجا ليس من يخوض كل المعارك، بل من يعرف أي المعارك تستحق أن يستهلك جزء من عمره وروحه لأجلها وأيها يجب أن يغادرها قبل أن تبتلع ما تبقى فيه من سلام.
ليست قسوة الخذلان في الألم الذي يتركه فقط، بل في الطريقة التي يعيد بها تشكيل الإنسان من الداخل لأن بعض التجارب لا تهدم علاقة عابرة فحسب، بل تهز الصورة التي كان المرء يسند إليها طمأنينته وثقته بالحياة، فالنفس حين تمنح صدقها ثم تصطدم بالغدر أو التقليل تبدأ في النظر إلى العالم بعين مختلفة وكأنها تكتشف فجأة أن الطمأنينة التي كانت تعيشها لم تكن صلبة كما كانت تظن.
ولهذا فإن النجاة الحقيقية ليست في أن يبرهن الإنسان قوته للآخرين، بل في ألا يتحول من الداخل إلى صورة أخرى من ألمه، فكثير من الناس تغادرهم الأحداث بينما تبقى أرواحهم عالقة عند آخر خيبة حتى يصبح الحذر لغتهم الوحيدة في النظر إلى البشر، أما الإنسان الذي يعبر جراحه بوعي فهو لا يطفئ ألمه، بل يمنعه من أن يطفئ إنسانيته، وقد أشار الطبيب النفسي إريك فروم في كتابه الإنسان من أجل ذاته إلى أن الإنسان حين يعيش تحت ضغط الخوف والصراع المستمر يصبح أكثر قابلية لفقدان توازنه الأخلاقي إذا لم يمتلك وعيا داخليا يحميه من التحول نحو القسوة أو العزلة.
إن النضج الحقيقي لا يظهر حين تكون الحياة سهلة، بل حين يبقى الإنسان قادرا على حماية نقائه الداخلي رغم كل ما مر به، فليس عسيرا أن يكون المرء هادئا في الأوقات المطمئنة لكن الصعوبة الحقيقية أن يحتفظ برحمته بعد الخذلان وأن يبقى قادرا على الحب بعد الخيبة، وهذا ما جسدته قصة يوسف عليه السلام ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف :90] وفي علم النفس الحديث تشير دراسات النمو ما بعد الصدمة إلى أن بعض البشر لا يخرجون من التجارب المؤلمة أكثر ضعفا فقط، بل قد يخرجون أكثر وعيا وقدرة على فهم ذواتهم والحياة إذا تمت مواجهة الألم بصورة صحية لا قائمة على الإنكار أو الكراهية.
ولهذا فإن أعظم انتصار قد يحققه الإنسان بعد الخذلان ليس أن ينتصر على الآخرين، بل أن يعود إلى نفسه دون قسوة وأن يبقى قادرا على رؤية الخير في العالم رغم كل ما رآه من ظلام، فالإنسانية الحقيقية لا تظهر حين تكون الطرق مستقيمة والقلوب مطمئنة، بل تظهر حين يعبر الإنسان فوق ألمه دون أن يسمح له بأن يطفئ آخر ما تبقى فيه من نور.
في المحصلة ليست أكثر المعارك قسوة تلك التي نخسر فيها الآخرين، بل تلك التي نخسر فيها شيئا من أنفسنا ونحن نحاول النجاة، ولهذا فإن النضج الحقيقي لا يكمن في القدرة على الانتصار الدائم، بل في العبور فوق الألم دون أن يتحول القلب إلى صورة أخرى منه، فبعض النجاة لا تأتي من هزيمة العالم، بل من حماية الروح من أن تصبح امتدادا طويل لخيباته.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights