المجاملة أم النفاق؟ حين تختلط القيم بالمصالح
علي بن مبارك اليعربي
في حياتنا اليومية نصادف مواقف كثيرة تتداخل فيها الكلمات اللطيفة مع المصالح، وتتقاطع فيها مشاعر التقدير مع الرغبة في كسب الرضا. وفي خضم هذه التفاعلات الاجتماعية يبرز سؤال مهم: أين تنتهي المجاملة الراقية ويبدأ النفاق؟
قد يبدو الفرق بينهما واضحًا من الناحية النظرية، لكنه في الواقع ليس كذلك دائمًا. فهناك من يعد كل كلمة ثناء نوعًا من النفاق، وهناك من يبرر كل مبالغة في المدح على أنها مجرد مجاملة. وبين هذين التصورين تضيع أحيانًا الحدود الفاصلة بين قيمة اجتماعية نبيلة وسلوك يفرغ تلك القيمة من مضمونها.
المجاملة في أصلها خلق إنساني راقٍ، تقوم على حسن التعامل ومراعاة المشاعر والتعبير عن التقدير والاحترام بأسلوب مهذب وصادق. وهي لا تتعارض مع الحقيقة، بل تقدمها في إطار من الذوق واللباقة. أما النفاق فينشأ عندما يصبح الهدف من الكلمات والمواقف تحقيق مصلحة شخصية أو كسب منفعة أو التقرب من شخص ما على حساب الصدق والموضوعية. فالمجاملة تحافظ على الود، بينما يضحي النفاق بالحقيقة من أجل المكاسب.
تكمن المشكلة في أن بعض المجتمعات والمؤسسات أصبحت تعاني من حالة من الخلط بين المفهومين، حتى باتت الصراحة المهذبة تُفسر أحيانًا على أنها إساءة أو خروج عن المألوف، في حين يُستقبل المديح المبالغ فيه بالترحيب والإعجاب. ومع تكرار هذه الممارسات تتشكل ثقافة اجتماعية تمنح الأفضلية لمن يجيد الثناء أكثر من أولئك الذين يمتلكون شجاعة الرأي وصدق الكلمة.
ولعل أخطر ما في هذه الظاهرة أنها لا تؤثر في العلاقات الشخصية فحسب، بل تمتد آثارها إلى مختلف جوانب الحياة. ففي بيئات العمل قد تُخفى المشكلات الحقيقية وراء ستار من المجاملات، فتتأخر الحلول وتضعف فرص التطوير. وفي المؤسسات قد يحرم أصحاب القرار من رؤية الواقع كما هو، لأن البعض يفضل إرضاءهم على مصارحتهم. أما اجتماعيًا، فإن انتشار ثقافة التملق يضعف الثقة المتبادلة ويجعل العلاقات أكثر ارتباطًا بالمصالح منها بالقيم.
ومن الجانب التربوي، فإن الأجيال الناشئة تراقب هذه السلوكيات وتتعلم منها. وعندما ترى أن المبالغة في المدح تحقق مكاسب أسرع من الصدق والاجتهاد، فإن ذلك قد يؤثر في منظومة القيم التي تتشكل لديها. ولهذا فإن مسؤولية الأسرة والمدرسة والمؤسسات التربوية لا تقتصر على تعليم الأبناء حسن التعامل، بل تشمل أيضًا ترسيخ قيمة الصدق والشجاعة الأدبية واحترام الرأي الموضوعي.
إن المجتمعات الناجحة ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي تمتلك القدرة على اكتشاف أخطائها ومعالجتها. وهذا لا يتحقق إلا عندما يجد النقد البناء مكانه الطبيعي، وعندما يُنظر إلى الرأي الصادق بوصفه مساهمة في الإصلاح لا تعديًا على الأشخاص. فالحقيقة قد تكون مؤلمة أحيانًا، لكنها تبقى أكثر نفعًا من مجاملة تخفي الخلل أو نفاق يؤجل مواجهته.
ولذلك فإننا بحاجة إلى إعادة الاعتبار للمجاملة بمعناها الصحيح، بوصفها خلقًا يعزز الاحترام ويقوي العلاقات، لا وسيلة لتزييف الحقائق أو تحقيق المصالح. كما أننا بحاجة إلى بيئات اجتماعية ومؤسسية تشجع على الصراحة المسؤولة، وتُقدر الكلمة الصادقة مهما كانت مختلفة، وتُدرك أن الولاء الحقيقي لا يكون بالمبالغة في الثناء، وإنما بالإخلاص في النصح.
وفي النهاية، تبقى المجاملة قيمة إنسانية جميلة حين تستند إلى الصدق، بينما يتحول النفاق إلى عبء أخلاقي واجتماعي عندما يتخفى خلف الكلمات المنمقة والعبارات الرنانة. وبينهما خيط رفيع لا يحفظه إلا الضمير الحي، ذلك الضمير الذي يدرك أن الاحترام لا يتعارض مع الصراحة، وأن الكلمة الصادقة، مهما كانت هادئة، أكثر أثرًا من ألف عبارة تقال طلبًا للرضا أو طمعًا في المصلحة.
فالمجتمعات لا تتقدم بكثرة المادحين، بل بوجود الصادقين الذين يجمعون بين حكمة الأسلوب وصدق الموقف، ويؤمنون بأن الحقيقة هي الطريق الأقصر إلى الإصلاح، وأن الثقة لا تُبنى إلا على الصدق.



