وعد قد لا يأتي أبدا ..

د محمد السيد يوسف لاشين
أستاذ علم النقد الاجتماعي والتفكير الناقد
ليس كل انتظار يستحق أن يُمدَّد وليس كل صبر يقود إلى نهاية تليق بما بُذل من عمر. فهناك لحظات يظن الإنسان أنها مجرد مرحلة عابرة، بينما هي في الحقيقة تلتهم أجمل سنواته بصمت، حتى يكتشف متأخرًا أن الزمن لم يكن يمر بجانبه، بل كان يمر من خلاله، ويقتطع من روحه شيئًا في كل يوم.
إن الخطأ الأكبر لا يكمن في الحلم ذاته، بل في تحويله إلى محور تدور حوله الحياة كلها. فحين يصبح الأمل هو المبرر الوحيد للاستمرار، ويتحول الانتظار إلى أسلوب حياة، يفقد الإنسان قدرته على رؤية البدائل، ويغدو أسيرًا لصورة رسمها في خياله أكثر من ارتباطه بالواقع نفسه. وهنا يبدأ العقل في تبرير التأجيل، بينما يواصل العمر رحلته دون أن ينتظر أحدًا.ولعل أكثر ما يرهق النفس ليس التعب، وإنما الاعتقاد بأن كل ما مضى سيضيع إن توقفت الآن. فيتشبث الإنسان بما تبقى، لا لأنه ما زال يؤمن بالطريق، بل لأنه يخشى الاعتراف بأن الطريق ربما لم يكن يؤدي إلى شيء منذ البداية. وهذا أحد أكثر أشكال الخداع النفسي قسوة؛ إذ يجعلنا نستثمر المزيد من الوقت في مشروع فقد مبررات استمراره، فقط لأننا استثمرنا فيه الكثير سابقًا.إن الدعاء، والسهر، والصبر، والعمل، كلها قيم عظيمة، لكنها لا تعني بالضرورة أن النتيجة ستكون مطابقة لما نتمنى. فالحياة لا تُدار بحجم التضحيات وحدها، وإنما بما يقدره الله، وبما تسمح به سنن الواقع. ومن النضج أن يفرق الإنسان بين الثبات على المبدأ، وبين الإصرار على طريق أثبتت الأيام أنه لم يعد صالحًا.
وفي كثير من الأحيان لا تكون الخسارة الحقيقية هي ضياع الحلم، بل ضياع القدرة على صناعة حلم جديد. فهناك من يعيش سنوات طويلة وهو ينظر إلى باب واحد مغلق، حتى ينسى أن الحياة مليئة بأبواب أخرى لم يحاول طرقها أصلًا. ويصبح الرجاء الذي كان يمنحه القوة سببًا في تعطيل حركته، لأنه ربط مستقبله باحتمال واحد، وأغلق قلبه أمام كل الاحتمالات الأخرى.
إن التفكير الناقد يدعونا إلى مراجعة علاقتنا بالأمل نفسه. فالأمل ليس أن ننتظر إلى ما لا نهاية، بل أن نمتلك الشجاعة لإعادة تقييم الطريق كلما تغيرت الظروف. وليس الفشل أن تتخلى عن حلم استنزفك، وإنما الفشل الحقيقي أن تتخلى عن حياتك من أجل حلم لم يعد موجودًا إلا في ذاكرتك.
لهذا لا يقاس الإنسان بعدد السنوات التي انتظر فيها، بل بقدرته على النهوض عندما يدرك أن بعض الأبواب لن تُفتح. فالحكمة ليست في الاحتفاظ ببقايا الرجاء كيفما كان، وإنما في معرفة اللحظة التي يتحول فيها الرجاء إلى قيد، ويصبح التحرر منه بداية لرجاءٍ أصدق، وحياةٍ أكثر اتزانًا، ومستقبلٍ يُبنى على الوعي لا على التعلق، وعلى العمل لا على انتظار وعدٍ قد لا يأتي أبدًا.



