مقالات صحفية

نازع .. ذات أنهكتها شخوصها

  محمد بن عبيد الزعابي

ستنبثق نصوص الكلمات منذ إشراقاتها في مطلع الرواية، معبرة عن قلم لامع يستحق أن تُذكر خيالاته الواسعة، حين وقع أثر هذه الكلمات على مشاعري كقارئ، وسعيت مجتهدًا لفك شفرة الغموض التي أرهقتني بدايتها. ورغم ذلك وجدتني أهيم في سحر العبارات الرزينة، والحبكة المتماسكة التي حاكها لنا بشكل متقن الكاتب العماني: عبدالله الشكيلي.

يكتسني الملل كعادتي عند قراءة أي رواية من هذا الجنس الأدبي، حين تجدها مستهلة بالغموض، وبعيدةً كل البعد عما يعتري خلجات القارئ الداخلية. فالنصوص التي لا تكشف عن القادم تجعل القارئ يندمج مع كل كلمة يمر من خلالها، وهذا النوع يكون موفقًا دائمًا، ويدل على أن الكاتب قد أبحر كثيرًا في سطور أمهات الكتب. فلولاها لما وجدت نفسي منغمسًا مع رواية *(نازع: ملحمة الروح والهوى)*، حين بدأ البطل مشوشًا مع ذاته، واقتحمه عضال نفسي رمى به في حضن ثلاث شخصيات، أثّرت على بداية حياته، وأوهام طغت على ما كان يراه حقيقة في نفسه، لكنها كانت مجرد خيالات.

فالندم، والخوف، والرجفة التي أرعشت جسده، والإنهاك الذي جعل ظهور الهالات على وجهه أمرًا حتميًا وبديهيًا لشخصية مرهقة يبدو عليها الشيخوخة المبكرة والكهل، لكنها عكس ذلك تمامًا. فمن خلال عمله في فن التصميم الذي أبدع في إتقانه بصورة مرضية لمدير الشركة عبدالحميد، كان نازع متعجبًا من إنجازه الذي يراه الآخرون مبعثًا للسرور، حيث إنه يمر في حالة مزرية مع مرضه النفسي المرهق. فقد أُصيب بتعدد الصفات الثلاث الذي أودى به إلى اضطراب في الهوية:
فالصفة الأولى تجسدت في شخصية “أحنف” ، وهي صفة السمو والرفعة، فتعايشت مع ذاته حين كان يخرج للمجتمع بصورة مشرفة تنير له الطريق.

أما الصفة الثانية، فكانت تعبث في حياته بشر النوايا، فتشكلت فيه عبر شخصية *أثمد* التي كانت تأتيه على شكل شيطان وتجعله دائمًا في وساوس مقيتة.
أما الصفة الثالثة فجسدتها شخصية “الزهير” الذي كان يغويه بملهيات ورغبات دنيوية متعبة.

وستسافر بنا الرواية في جريمة قتل، استطاع الكاتب تشويقنا للمجرم في بداية افتتاحيتها المُثرية، والتي سيظهر لنا فحواها في منتصفها. ففكرة الرواية كُتبت بتقنية الراوي العليم بشكل حداثي ومتقن، فهي تناقش التشدد الديني، ومشكلة التساهل في بعض التشريعات الإسلامية، وكذلك الخوف من الطبقات والعار، والوسواس المجتمعي.

أما قضية الفصول الأخيرة فمتعلقة بملحمة من الروح والهوى، فبدأت نار الحب من وردة وتفجرت من إغواء مستمر كان يُمليه له الزهير، حتى أوقعه في وكر شباكه. واختتمت الرواية بنهاية مفتوحة ليرسم القارئ ما بعدها من توقعات في الأحداث.

فامتزاج الأفكار يجعل القارئ يرى التنوع المتوافق في فصول الكتاب، فستجد نفسك في الغموض تارة، وفي الواقع أحيانًا كثيرة. بل ثمة نصوص توشحت بالجانب الفلسفي مع أنها كانت بحد ذاتها خيالية نفسية، إلا أنها ستسير بنا في دراما واقعية. فنستطيع أن ننسب إلى هذا العمل التكامل من خلال ما سنقرأه في ثلاثية الشخوص.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights