تهنئة
الأحد: 31 مايو 2026م - العدد رقم 2932
مقالات صحفية

عُمان أكبر من الاستفزاز وأوعى من أن تُستدرج إلى الضجيج

علي بن مبارك اليعربي

في عالم تتسارع فيه الأحداث وتشتد فيه التجاذبات السياسية، تصبح الكلمة أكثر من مجرد رأي، وتغدو المواقف أكثر من مجرد ردود أفعال عابرة. فحين تصدر تصريحات مستفزة أو غير محسوبة تجاه دولة ما، فإن الاختبار الحقيقي لا يكون في حجم الغضب الذي تثيره، بل في مستوى الوعي الذي يُدار به ذلك الغضب.
وقد أثارت التصريحات الأخيرة المنسوبة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه سلطنة عُمان ردود فعل متباينة في الداخل والخارج، تراوحت بين الاستغراب والرفض والسخرية والتهكم. ولعل من الطبيعي أن يشعر المواطن بالاستياء تجاه أي حديث يمس وطنه أو ينتقص من مكانته، غير أن ما يستحق التوقف عنده ليس التصريح ذاته فحسب، بل طبيعة التعاطي معه.
ولم يقتصر الجدل حول تلك التصريحات على الشارع العُماني، بل امتد إلى دوائر إعلامية وسياسية خارجية رأت فيها لغة لا تنسجم مع مقتضيات العلاقات الدولية ولا مع الأعراف الدبلوماسية التي تقوم على الاحترام المتبادل بين الدول. غير أن أهمية هذا الجدل لا تكمن في حجم الانتقادات الموجهة للتصريحات ذاتها، وإنما في الكيفية التي نتعامل بها معها داخلياً؛ فالأمم الواثقة من نفسها لا تجعل من كل استفزاز معركة، ولا من كل تصريح قضية وجود، بل تقرأ الأحداث بوعي وتضعها في حجمها الحقيقي.
إن بعض ما يُنشر في وسائل التواصل الاجتماعي من تعليقات ساخرة أو مداخلات انفعالية قد يحقق لحظة من التنفيس النفسي، لكنه لا يضيف شيئاً إلى رصيد الوطن، بل قد يتحول ـ من حيث لا نشعر ـ إلى مادة يستثمرها المتربصون والحاقدون والمروجون للصور النمطية المغلوطة. فالمتربصون لا ينتظرون الخطأ السياسي فقط، بل ينتظرون أيضاً الانفعال الشعبي غير المحسوب ليبنوا عليه رواياتهم وتأويلاتهم.
لقد اختارت سلطنة عُمان منذ عقود نهجاً واضحاً في علاقاتها الدولية، يقوم على الحكمة والاعتدال واحترام سيادة الدول والسعي إلى تقريب وجهات النظر. ولم يكن هذا النهج وليد ظرف عابر أو موقف مؤقت، بل أصبح جزءاً من الهوية السياسية العُمانية التي أكسبت السلطنة احتراماً وتقديراً على المستويين الإقليمي والدولي.
ولذلك فإن الدفاع الحقيقي عن هذا النهج لا يكون بالصوت الأعلى، ولا بالكلمات الأكثر حدة، وإنما بالتمسك بالقيم ذاتها التي صنعت هذه المكانة. فليس من الحكمة أن نواجه الاستفزاز باستفزاز مثله، ولا أن نرد على الضجيج بمزيد من الضجيج، لأن ذلك قد يجرنا إلى المربع الذي يريده الآخرون.
إن الوطنية ليست انفعالاً مؤقتاً، بل وعيٌ ومسؤولية. وهي لا تُقاس بعدد التعليقات الساخرة أو المشاركات الغاضبة، وإنما بقدرة المواطن على إدراك ما ينفع وطنه وما يضره، وما يعزز صورته وما يسيء إليها. فبعض الكلمات قد تُكتب في لحظة غضب، لكنها تبقى شاهداً على أصحابها وعلى مجتمعاتهم لسنوات طويلة.
إن ما يزعج المتربصين بعُمان ليس موقفاً عابراً أو تصريحاً مؤقتاً، وإنما النهج العُماني ذاته؛ ذلك النهج الذي نجح في ترسيخ صورة السلطنة بوصفها دولة حكمة وتوازن وحوار. ولهذا فإن المحافظة على هذه الصورة مسؤولية مشتركة بين المؤسسات والإعلام والمواطنين، لأن الكلمة غير المحسوبة قد تمنح خصوم الفكرة ما لم يستطيعوا تحقيقه بالمواقف السياسية.
لقد علمتنا التجربة العُمانية أن الحكمة ليست صمتاً عن الحق، وليست ضعفاً أمام التحديات، وإنما هي القدرة على اختيار الموقف الذي يخدم الوطن لا الموقف الذي يرضي الانفعال. وعندما يستفز الآخرون وطنك، لا تجعل رد فعلك هو ما يريدونه، بل اجعل وعيك هو ما يفاجئهم.
إن عُمان التي بنت جسور الثقة مع العالم، ورسخت حضورها بوصفها دولة سلام وحوار، أكبر من أن تهزها تصريحات عابرة، وأوعى من أن تُستدرج إلى معارك الضجيج التي لا رابح فيها. فالأوطان العظيمة لا تصنع مكانتها بردود الأفعال، وإنما تصنعها بثبات المبادئ ورجاحة العقول وحسن قراءة المواقف.
وفي النهاية، قد ترتفع أصوات الاستفزاز حيناً، وقد يعلو الضجيج أحياناً، لكن ما يبقى في ذاكرة التاريخ هو صوت الحكمة. وعُمان التي اختارت هذا الطريق منذ عقود، أكبر من أن تستفزها الكلمات، وأوعى من أن تُستدرج إلى معارك لا تخدم إلا المتربصين بها.
فالأوطان تُبنى برجاحة العقول أكثر مما تُبنى بضجيج الأصوات، وتبقى قوة عُمان الحقيقية في حكمة موقفها، ورصانة نهجها، ووعي أبنائها.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights