عَبَقَةُ السَّمْتِ العُماني
خلف بن سليمان البحري
هناك أشياء لا تُرى بالعين، لكنها تُدرك من أول لقاء أشياء لا تحتاج إلى تعريف أو شرح، لأنها تسبق الكلمات وتصل إلى الناس عبر السلوك والتعامل والمواقف. وحين نتأمل ما يتركه الإنسان من أثر في نفوس الآخرين، نجد أن أجمل ما يبقى ليس ما يقوله عن نفسه، بل ما تعكسه أخلاقه وطريقة حضوره بين الناس.
ومن هنا تنبع عَبَقَةُ السمت العُماني؛ ذلك الحضور الهادئ الذي لم يكن يومًا مجرد مظهر أو هيئة خارجية، بل انعكاسًا لمنظومة متكاملة من القيم التي تشكلت عبر الزمن، واستقرت في وجدان المجتمع حتى أصبحت جزءًا من شخصيته وملامحه المميزة. فحين يُذكر الإنسان العُماني في كثير من المواقف، فإن ما يسبق اسمه غالبًا ليس منصبه أو مكانته، بل سمعته الطيبة، وحسن تعامله واعتداله، واحترامه للآخرين.
ولم يكن السمت العُماني يومًا نتاج مرحلة عابرة أو ظرف مؤقت، بل هو حصيلة تراكم طويل من التربية والقيم والعادات الأصيلة التي أسهمت في بناء شخصية متوازنة تدرك أن الاحترام لا ينتقص من المكانة، وأن التواضع لا يتعارض مع الثقة، وأن الكلمة الطيبة قادرة على فتح أبواب تعجز عنها وسائل كثيرة.
ولعل ما يلفت الانتباه في الفترة الأخيرة ذلك الاهتمام المتزايد بالسمت العُماني من خلال البرامج والمبادرات والورش التي تتبناها مختلف المؤسسات. وهو اهتمام يعكس إدراكًا متناميًا لأهمية هذا الجانب بوصفه أحد المقومات التي تستحق العناية والمحافظة. فالقيم التي صنعت صورة المجتمع عبر عقود طويلة لا ينبغي أن تُترك لعوامل الزمن وحدها، بل تحتاج إلى وعيٍ مستمر يرسخ حضورها ويعزز مكانتها في نفوس الأجيال.
وإذا كانت الأسرة هي المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الإنسان معاني الاحترام والتقدير وحسن التعامل، فإن المؤسسات اليوم تؤدي دورًا مهمًا في تعزيز هذه القيم وترجمتها إلى ممارسات يومية داخل بيئات العمل. فالمؤسسة لا تُعرف فقط بما تقدمه من خدمات أو ما تحققه من إنجازات، بل تُعرف كذلك بالطريقة التي يتعامل بها أفرادها مع الآخرين، وبالصورة التي تتركها في نفوس من يتعاملون معها.
ولذلك لم يعد السمت العُماني مجرد قيمة اجتماعية فحسب، بل أصبح عنصرًا مهمًا في بناء ثقافة العمل وتعزيز جودة الأداء. فكثير من الناس قد ينسون تفاصيل معاملة أو خدمة تلقوها، لكنهم لا ينسون أسلوب التعامل الذي واجهوه، ولا الاحترام الذي لمسوه ولا الانطباع الذي تكوّن لديهم من موقف أو كلمة أو تصرف. وهنا تتجلى القيمة الحقيقية للسمت، حين يتحول إلى جسر من الثقة، وإلى صورة مشرقة تعكس أخلاق المجتمع وهويته.
ومع ما يشهده العالم من تغيرات متسارعة وتداخل في الثقافات وأنماط الحياة، تبرز الحاجة إلى التمسك بالقيم التي تمنح المجتمعات خصوصيتها وتميزها. وليس المقصود بذلك الانغلاق أو الوقوف في وجه التطور، فالمجتمعات الحية تتقدم وتتجدد باستمرار، لكنها في الوقت ذاته تحرص على ألا تفقد الملامح التي شكلت شخصيتها عبر الزمن.
فالسمت العُماني لم يكن يومًا عائقًا أمام التطور، بل كان رفيقًا له. ولم يكن تعبيرًا عن الماضي فحسب، بل قيمة قادرة على مواكبة الحاضر وصناعة المستقبل. لأنه في جوهره لا يرتبط بشكل معين أو زمن محدد، وإنما يرتبط بأخلاق تبقى صالحة في كل زمان ومكان.
إن المحافظة على السمت العُماني لا تتحقق بكثرة الحديث عنه، بل بحضوره في الممارسة اليومية، وفي أسلوب تعاملنا مع الآخرين، وفي قدرتنا على تمثيل أفضل ما نحمله من قيم أينما كنا. فالقيم العظيمة لا تعيش في الكتب ولا في الشعارات وحدها، وإنما تعيش حين تتحول إلى سلوك يراه الناس ويلمسون أثره في الواقع.
ولهذا تبقى عَبَقَةُ السمت العُماني حاضرة في النفوس، لأنها ليست ذكرى من الماضي، ولا عنوانًا لمبادرة مؤقتة، بل جزء من شخصية هذا الوطن وملامحه الأصيلة وكلما حافظنا عليها في سلوكنا وتعاملاتنا، بقي أثرها ممتدًا، وبقيت تلك الصورة المشرقة التي عُرف بها الإنسان العُماني عبر الأجيال.



