(تعلم أَن لا تَكُن حملًا وَدِيعًا)
سليمة نصيب المسعودية
تعلم أن لا تكون حملاً وديعًا في عالمٍ لا يرحم الوداعة، ولا يقدّر القلوب التي تهب نفسها قربانًا للآخرين.
فليس كل من ابتسم لك يحمل في صدره مودة، ولا كل من اقترب منك أراد بك خيرًا؛ فبعض الأرواح تتقن ارتداء أثواب البراءة، بينما تخفي بين أضلاعها أنيابًا لا ترى إلا عند أول منعطف للمصلحة.
كن طيبًا، ولكن لا تكن مستباحًا.
كن نقيّ السريرة، ولكن لا تسمح لأحد أن يتخذ من صفائك مطيةً لعبوره، أو من عطفك جسرًا لتحقيق غاياته.
فالطيبة فضيلة، غير أن الإفراط فيها دون حدود يحول الإنسان إلى فريسةٍ سهلة في غابةٍ لا تعترف إلا بمن يعرف كيف يحفظ هيبته ويصون كرامته.
تعلم أن تضع بينك وبين الآخرين مسافةً من الحكمة، وسياجًا من الاتزان، وأن تقول “لا” حين يصبح الصمت إذعانًا، والعطاء استنزافًا، والتسامح تنازلًا عن حقك المشروع.
فالنفوس الكبيرة لا تُقاس بكمّ ما تحتمل فحسب، بل بقدرتها على التمييز بين من يستحق الاحتواء، ومن لا يستحق سوى المسافة.
لا تكن حملًا وديعًا يُساق إلى مواطن الخذلان باسم المحبة، ولا روحًا شفافة يستهلكها الآخرون ثم يمضون دون اكتراث.
كن كالغيمة؛ تمنح المطر بسخاء، لكنها لا تمطر إلا في الأرض التي تعرف قيمة الماء.
وكن كالنخلة؛ سامقةً في عطائها، عصيّةً على الانكسار، ثابتة الجذور مهما عبثت بها الرياح.
وتذكر دائمًا أن اللين لا يعني الضعف، وأن الرحمة لا تعني الاستسلام، وأن القلب الطيب لا ينبغي له أن يكون بابًا مشرعًا لكل عابر.
فأجمل ما يتعلمه الإنسان مع النضج أن يحتفظ بنقاء روحه، دون أن يسمح لأحد أن يعبث بسلامها.
تعلم أن لا تكون حملاً وديعًا…
بل كن روحًا كريمة تعرف متى تحتوي، ومتى تبتعد، ومتى تغلق الأبواب بصمتٍ يليق بعزة النفس.



