الخواطر

هَمسة غياب

ثاني بن مبارك الحبسي

تتقادم الذكريات،
وكأنها تمضي إلى سُبات،
كآثار أقدامٍ
عصفت بها رياح الزمن،
لتمحو ما تبقّى لها من أثر…

لا شيء يبقى، أو يدوم، أو يُخلَّد،
فالجميع سيمرّ عليه قطار القدر،
وسيحمل أمتعته ويغادر،
وكل شيء سيمضي إلى زوال…

وجوهٌ قد رحلت واختفت،
ولم يبقَ من أثرها إلا الصور،
نُقلِّبها، ونُمعِن فيها بين حينٍ وآخر،
لعلّنا نروي منها ظمأ الشوق
الذي اضمحلّ بعد فراقهم…
أو نَبُثّ بها حياةً
في قلوبٍ جفَّت حنينًا إليهم…

وطيفٌ قد تركوه وراءهم،
لا يزال يتراءى لنا من بعيد،
كسرابٍ يحسبه الظمآن ماءً…

وروحٌ لا تزال تتبع خُطانا،
بعد أن فارقت أجسادهم،
لترافقنا في مشوار الحياة،
وتلازمنا في الحلم واليقظة،
وتصاحبنا في الحِلِّ والترحال…

عبثًا
أسعى لنسيان ذلك الماضي،
وما سطَّرته تلك السنين،
وتركته بين أرفف الذكريات…

وبلا جدوى
أحاول طمس تلك المشاهد واللحظات،
فتأبى إلا أن تنتشل نفسها
من تحت ذلك الرُّكام،
لتعلن أنها باقية إلى الأبد…

همساتٌ، وكلماتٌ، وأحاديث،
لا يزال صداها يتردّد في الصمت،
كلما تجاذبتنا إليها الخلوات،
فتعزف بداخلنا لحنًا
على أوتار قلبٍ هام في ذكراهم،
لحن شوقٍ، وفقدٍ، وحنين…

وهائمٌ في نوحٍ، وشجونٍ، ورثاء،
في عزفٍ على أوتار الذكريات،
حزنًا، وألمًا، وغصّةً على فراقه…

كل صباحٍ أترقّب حضوره،
كترقُّب المشتاق لغائبٍ في سفر…

وكل مساءٍ أتخيّل لُقياه،
فيتلاشى ذلك الشعور مع طول الانتظار…

وعندها
لا أجد إلا “المقابر” بديلًا
للبحث عنه،
بين أجسادٍ توارت هناك،
قد غطّاها التراب،
لتنام في سُباتٍ عميق…

فبعد حضورك المفقود،
وغيابك غير المعهود،
ولهيب ذكراك الذي لم ينطفئ،
كيف لي أن أنساك يا أبي؟…

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights