وللغيابِ سيرة

أثير بنت محمد السعدية
إلى جّدتي …
أكنتِ تعلمين أنّ للوداع وجوهًا لا تُدرَك إلا بعد انقضاء أوانه؟
في مساء الخميس، كنتُ أرافقكِ إلى المستشفى أُساير خطواتكِ الواهنة، وأُعلّق رجائي على أبواب الشفاء ولم يكن يخطر ببالي أنّني أشيّع آخر حضورٍ لكِ في ذاكرتي. انقضى النهار وعدتِ إلى منزلكِ، وعدتُ أنا مثقلةً برجاءٍ ساذجٍ بأنّ الغد سيأتي بكِ كما عهدتكِ.
غير أنّ الغد لم يحمل إلّا نبأً اجتاح يقيني، واقتلع السكينة من مواضعها. بلغني رحيلكِ ولم أبكِ.
ليس لأنّ الفقد كان يسيرًا بل لأنّ الصدمة جرّدت الدموع من قدرتها على الانهمار، وأوقفت الزمن عند لحظةٍ لم يقوَ الوعي على عبورها. بقي الخبر معلّقًا في داخلي لا أُصدّقه ولا أُكذّبه كأنّ العقل آثر الإنكار اتقاءً لانكسارٍ لا قِبل له به.
ومضى عامٌ كامل، عامٌ وأنا أتوهم أنّني تجاوزتُ المحنة حتى إذا هدأت ضوضاء الأيام استفاق الألم من مكمنه، وأدركتُ أنّ الأحزان العظيمة لا تفصح عن نفسها ساعة وقوعها، بل تؤجل انهمارها حتى يخلو القلب إلى هشاشته.
فبكيتكِ بعد عام، بكاءً لم يكن وليد تلك اللحظة بل خلاصة ثلاثمئةٍ وخمسةٍ وستين يومًا من الصمت، وكأنّ الدموع كانت تستأذن الغياب حتى يأذن لها بالانحدار.
ما زلتُ كلما مرّ يوم الخميس، اعتراني شعورٌ غامضٌ بأنّ الزمن يعيد آخر مشهدٍ جمعني بكِ فأراكِ بعين الذاكرة وأسمع صدى صوتكِ في الممرات ثم أفيق على حقيقةٍ لا تزال تستعصي على التصديق.
رحمكِ الله رحمةً تُطفئ وحشة القبور وتُفيض على روحكِ من سعة رحمته ما يليق بكرمه وجعل لقائي بكِ في دارٍ لا فراق بعدها.



