مقالات صحفية

بين وفرة الأقلام وندرة الأثر

يعقوب بن راشد السعدي

أرى في الآونة الأخيرة اتساعاً لافتاً في رقعة النشر الأدبي، حتى غدت الساحة تعجّ بالكُتاب من المقاليين والروائيين والقاصّين، وتكاثرت الأعمال، حتى الصحف اليومية لا تخلو من سيلٍ متدفق من المقالات والخواطر والآراء، وهذا الاتساع في ظاهره علامة صحةٍ ثقافية تبعث على التفاؤل، غير أن ما يثير التساؤل حقاً: أين كانت هذه الطاقات من قبل؟ وكيف ظهرت فجأة بهذا الزخم الكاسح؟

إن كثرة الأسماء ليست بالضرورة دليل ازدهار، كما أن وفرة المنشور لا تعني بالضرورة جودة المكتوب، فالمشهد الثقافي حين تتراجع فيه معايير الجودة يصبح مقلقاً، ويحتاج إلى وقفة تأمل ومراجعة صادقة، فما أكثر ما نقرأ اليوم من مقالات تمرّ على العين مرور العابر، لا تترك أثراً في الفكر، ولا توقظ سؤالاً، ولا تضيف معرفة، ولا تمسّ قضية تستحق النقاش.

لقد أصبح بعض من يكتبون أسرى لفكرة الظهور المستمر، لا لفكرة الرسالة التي ينبغي أن يحملها الكاتب، يكتب أحدهم لا لأنه يمتلك ما يقول، بل لأنه يريد أن يُقال عنه: ما زال حاضراً، وما زال يُنشر له، وهنا يكمن الخلل، فالاستمرارية ليست في كثرة الظهور، وإنما في عمق الحضور، ليست في عدد المقالات، بل في قيمة المقالة، وليست في تراكم النصوص، بل في الأثر الذي يتركه النص في القارئ والمجتمع.

إن الكاتب الحقيقي لا يقيس نجاحه بعدد ما نشر، بل بما أثار من وعي، وما فتح من نوافذ للتفكير، وما قدم من إضافة تُذكر بعد أن تُطوى الصفحات، أما الكتابة التي لا همّ لها سوى ملء المساحات، فهي وإن كثرت، تظل خواءً مؤجلاً.

ومن الظواهر اللافتة كذلك أن بعض الكُتاب باتوا يتنقلون بين كل الحقول بلا اختصاص ولا عمق، فتجده يكتب اليوم في السياسة، وغداً في الاقتصاد، وبعده في الاجتماع، ثم يخوض في العلم والفلسفة والتربية، وكأنه أحاط بكل شيء علماً، وليس العيب في تنوع الاهتمام، بل العيب في الادعاء والسطحية، فالكاتب الموسوعي نادر، ولا تصنعه الرغبة في الظهور، بل تصنعه سنوات طويلة من القراءة والبحث والخبرة.

وحين تُجالس بعض هؤلاء، تكتشف هوةً بين النص وصاحبه، وبين المقال وكاتبه، فالمفاهيم التي تتزاحم في كتاباته لا تجد لها أثراً في حديثه، والعمق الذي يتظاهر به قلمه يغيب عند أول حوار، وهنا يحق لنا أن نتساءل: من يكتب فعلاً؟ الإنسان أم الصورة المصنوعة له؟

ومع دخول عصر الذكاء الاصطناعي، اتسعت المسألة أكثر، وظهر على السطح من لم يكن له سابق حضور، ولا تاريخ قراءة، ولا تجربة كتابة، فإذا به بين ليلة وضحاها صاحب مقال ورأي ومنبر، ولسنا ضد التقنية، ولا ضد الاستفادة من أدوات العصر، فكل وسيلة جديدة يمكن أن تكون نعمة إذا أُحسن استخدامها، لكن الخطر كل الخطر أن تتحول الأداة إلى بديل عن العقل، وأن يصبح البرنامج كاتباً بالنيابة عن الإنسان، ثم يُحسب النص على صاحبه زوراً.

إن الذكاء الاصطناعي قد يساعد في التنظيم، والتدقيق، والاقتراح، وتوسيع المدارك، لكنه لا يستطيع أن يمنح الكاتب حرارة التجربة، ولا صدق المعاناة، ولا نبرة الروح، ولا فرادة البصمة الإنسانية، فالكتابة الحقيقية ليست صفّ كلمات، بل حياة تتجسد في كلمات.

لقد توقفتُ عن الكتابة زمناً، لا عجزاً عنها، بل احتراماً لها، لأنني لا أرى في الكتابة فعلاً يومياً يؤدي لمجرد الحضور، بل أراها مسؤولية لا تستحق أن تُمارس إلا حين يكون هناك ما يستحق أن يُقال، لم تستهوِني يوماً فكرة التواجد من أجل التواجد، ولا التصفيق المجاني، ولا الألقاب السهلة، فالكاتب لا يصنعه النشر المتكرر، بل تصنعه الفكرة الناضجة، والرؤية الصادقة، واللغة التي تنبض بالحياة.

وكم يحزنني أن أرى الساحة أحياناً تضجّ بضجيج كثير، بينما يقل فيها الصوت الأصيل، وأن يختلط بريق الاسم بجوهر العمل، وأن يُقدَّم من يجيد التسويق على من يجيد الإبداع، غير أن هذا الضجيج، مهما علا، يظل مؤقتاً، لأن الزمن ومن فيه ناقد لا يجامل أحداً، وما لا قيمة له يسقط وحده، وما كان صادقاً يبقى ولو بعد حين.

ولئلا يُساء الفهم، فإنني لا أتحدث عن الجميع، ولا أعمم الحكم على كل من يكتب، ففي ساحتنا الثقافية أسماء كبيرة، وأقلام راسخة، وكُتاب يشار إليهم بالبنان، تشهد لهم أعمالهم، وتحفظ لهم المنابر حضورهم المستحق، وإنما حديثي عن أولئك الذين ظنوا أن الكتابة لقب يُرتدى، لا مسؤولية تُحمل، وأن النشر غاية، لا وسيلة.

إن المشهد الثقافي بحاجة إلى غربلة هادئة، تعيد الاعتبار للفكرة، وللجهد، وللأصالة، وللقلم الذي يكتب لأنه يملك ما يقول، لا لأنه يريد أن يُرى، فالأدب لا يحتاج إلى مزيد من الضجيج بقدر ما يحتاج إلى مزيد من الصدق، والكتابة لا تحتاج إلى كثرة الكُتاب بقدر ما تحتاج إلى ندرة الحقيقيين منهم.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights