خلل المنظومة القيمية
د. طالب بن خليفة الهطالي
لا تظهر حقيقة العلاقات في لحظات الانسجام، بل تتكشف عند مواضع الاختبار، حيث لا يبقى إلا ما ثبت من القيم في موضع الفعل، فالعلاقات لا تُقاس بما يُقال أو يُعلن من نوايا، بل بما يثبت عند التعارض، حين تتزاحم القيم ويُطلب من الإنسان أن يختار، فيتقدم ما استقر في داخله، ويتراجع ما لا يسنده التزام. وفي هذا المعنى قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ ]الصف: 2[، تنبيها إلى أن موضع الإشكال ليس في القول، بل في غيابه عند التطبيق، وهو ما يكشف خللا أعمق في البنية التي تضبط السلوك.
ومن هنا فإن اضطراب العلاقات لا يُرد إلى مواقف عابرة، بل إلى خلل سابق في المنظومة القيمية، يظهر عند أول تزاحم حقيقي، حيث يعاد ترتيب القيم داخل النفس فتخرج العلاقة عن اتزانها دون أن يكون السبب الظاهر كافيا لتفسير ذلك.
وإذا كانت العلاقات لا تنكشف إلا عند مواضع الاختبار، فإن الذي يظهر فيها ليس الموقف ذاته، بل ما يحكمه من بناء قيمي يوجه الاختيار والسلوك، لأن المنظومة القيمية ليست مجرد قيم يقر بها الإنسان، بل هي نظام داخلي تتحدد فيه مراتبها ويُعرف به ما يقدم عند التعارض وما يؤخر، وهنا لا يضيع المبدأ، بل يتغير موقعه، إذ أنه ليس حضور القيم في الذهن هو الذي يضبط السلوك، وإنما موقعها في ميزان الترجيح عند التطبيق ﴿….. إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ ]الحجرات: 13[، إذ لا يستوي ما يُدرك من حيث المبدأ مع ما يُلتزم به عند الفعل.
وتشير المفاهيم في العلوم السلوكية إلى أن الإنسان لا يتعامل مع القيم بوصفها معاني مستقلة، بل ضمن نظام يعيد ترتيبها بحسب المواقف، مما يجعل السلوك نتيجة مباشرة لهذا الترتيب، وعليه فإن المنظومة القيمية لا تقاس بما يعلنه الإنسان، بل بما يقدمه منها عند الاختبار، حيث تنكشف درجة تماسكها ويتبين موضع الخلل فيها إن وجد.
وهنا نقرّ أن المشكلة لا تبدأ حين يخطئ الإنسان، بل حين يختل ميزان ما يراه صوابا، إذ لا يتجلى الخلل في غياب القيم، وإنما في اضطراب بنيتها الداخلية، حيث تبقى حاضرة في الإدراك من حيث المعرفة، لكنها تفقد موقعها عند الترجيح من حيث الفعل، فالإنسان السوي يعرف الصدق ويقرّ به، ويعرف معنى الأمانة ويستحضر العدل غير أن هذه القيم لا تعمل لديه بوصفها مبادئ مستقلة يحتكم إليها كل على حدة، بل ضمن نظام داخلي تتحدد فيه مراتبها، وتعاد صياغة أوزانها بحسب الموقف،ومن ثم لا يكون الاختيار تعبيرا مباشرا عن المعرفة، وإنمانتيجة لترتيب خفي يحكم أي القيم يُقدَّم وأيها يُؤخَّر عند التعارض، وهنا يظهر موضع الخلل الذي لا يكون في أصل إدراك القيم ولكنه يكون في البنية التي تنظم حضورها، حيث تعاد صياغتها تحت تأثير عوامل كامنة، فتتحول من معايير حاكمة إلى عناصر قابلة لإعادة التوظيف بحسب ما يفرضه السياق.
وينشأ هذا الاختلال من تفاعل داخلي تتزاحم فيه القيم مع دوافع كالمصلحة والخوف والرغبة، فيعاد ضبط ميزان الترجيح دون وعي، فتتغير مراتب القيم في لحظة الاختيار، وقد أشار القرآن إلى أصل هذا التزاحم في قوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8)﴾]الشمس: 7-8[، دلالة على أن النفس مجال صراع، وأن الفعل لا يصدر عن المعرفة وحدها، بل عما يغلب عند لحظة الاختيار.
ويجد هذا المعنى تأصيلا في علم النفس المعرفي والسلوكي، حيث يقرر Leon Festinger في نظرية التنافر المعرفي أن الإنسان عند تعارض قناعاته وسلوكه لا يسارع إلى تصحيح فعله، بل يعيد تفسيره بما يخفف التناقض، مما يفضي إلى تكييف القيم بدل الالتزام بها، فيبرر سلوكا يعلم خطأه، ويحوّل القيم من مرجع يحكمه إلى أداة يكيف بها سلوكه.
كما يبين Daniel Kahneman أن أحكام الإنسان لا تصدر دائما عن تفكير منضبط، بل تتأثر بأنماط سريعة حدسية تجعل بعض الدوافع أكثر حضورا من غيرها، فتتقدم في لحظة القرار دون مراجعة واعية رغم حضور القيم في الذهن.
وعلى هذا فإن الاضطراب لا ينشأ عند الفعل الظاهر، بل يتشكل في مرحلة سابقة، حين تخضع المنظومة القيمية لإعادة ترتيب تدريجية تحت ضغط الدوافع، فيتغير وزن القيم مع بقاء إدراكها، وهنا يجب أن نسلّم إنه عندماتتعارض القيم مع المصلحة تقدم الأخيرة، وبهذا لا يكون للسلوك إلا الأثر الخارجي لذلك التحول الداخلي، فظهر على خلاف ما يقر به الإنسان من حيث المبدأ، لا لغياب القيم، بل لتحول موقعها في البنية الداخلية، وهو ما يفسر التناقض الذي يظهر في العلاقات.
فالمشكلة لا تبدأ حين يخطئ الإنسان، بل حين يفقد سلوكه قابليته للفهم المستقر، وكذلك لا تظهر عند أول خطأ، بل عند أول موقف يعجز فيه الطرف الآخر عن تفسير ما يحدث، فالخطأ يمكن احتماله أما الغموض فيقوّض أصل الثقة، ومن هنا تبدأ لحظة التحول، لا عند وقوع الفعل، بل عند فقدان استقرار معناه.
ويتجلى ذلك في أنماط سلوكية تبدو متفرقة، لكنها تشترك في إضعاف القدرة على الفهم فيظهر في انتقائية الصدق، وتوظيف الأمانة بما يخدم مصلحة خاصة، وتذبذب الالتزام بحسب الظرف، وهذه لا تمثل مجرد أخطاء بل تعكس انتقال القيم من موقع الضبط إلى موقع التبرير وهو ما يناقض ما قرره القرآن في أصل التعامل ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ ….﴾ (النساء: 58)، فجعل الأمانة أداء لا تأويلا، والتزاما لا توظيفا، وكما قال تعالى أيضا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾ ]التوبة: 119[، فربط الصدق بالملازمة لا بالاختيار الانتقائي.
وتشير دراسات علم النفس الاجتماعي إلى أن الثقة تقوم على الاتساق السلوكي، وهي قدرة الفرد على تقديم نمط يمكن التنبؤ به، وفقدان هذا الاتساق يؤدي إلى عدم اليقين التفسيري، حيث يعجز الطرف الآخر عن بناء تفسير مستقر للسلوك، فيتحول من الفهم إلى الحذر، ومن هنا لا تنهار الثقة بسبب خطأ واحد، بل نتيجة تراكم مواقف غير قابلة للفهم، فيصبح الشك نتيجة طبيعية لا اختيارا متعمدا.
ومع استمرار هذا المسار تتغير بنية العلاقة، فتنتقل من حالة تقوم على الاطمئنان إلى حالة يعاد فيها تفسير كل فعل، ويصبح التواصل محكوما بالحذر، فتضعف الروابط تدريجيا، وتفقد العلاقة قدرتها على الاستمرار نتيجة تآكل داخلي لا انهيار مفاجئ، وعلى هذا فإن الاضطراب لا يفسر بوقوع الخطأ، بل بعدم استقرار معناه، ولا يقاس بوجود القيم، بل بثباتها عند التطبيق، إذ لا يكشف التناقض غياب القيم، بل اختلال نظامها، وحين يختل نظام القيم لا يضطرب السلوك فحسب، بل يضطرب إمكان الوثوق به، فيفقد الفعل دلالته وتفقد العلاقة معيار الحكم عليه، فلا يعود الخلل في ما يحدث، بل في استحالة تفسيره على وجه مستقر.



