«أقسم بالله»: حين يتحول الصدق إلى قلقٍ يحتاج إثباتًا
قراءة نفسية وتربوية في ظاهرة الإكثار من القسم، بين ضعف الثقة بالذات وتآكل المصداقية في الخطاب اليومي
علي بن مبارك بن خلفان اليعربي
في مشهدٍ بات يتكرر في تفاصيل حياتنا اليومية، يسبق بعضُ الناس حديثهم بعبارة: «أقسم بالله»، حتى في أبسط الأخبار وأهون المواقف. ظاهرةٌ لم تعد عابرة، بل تحولت إلى نمطٍ لغوي شائع يستحق أن يُقرأ بوعي، لا أن يُمرّ عليه مرور العادة.
في جوهرها، لا يمكن فصل هذه الظاهرة عن أبعادها النفسية العميقة؛ فالقسم المتكرر لا يُستخدم دائمًا لتعظيم الحقيقة، بقدر ما يُستدعى أحيانًا كأداة لتعويض شعورٍ داخلي بالقلق من عدم التصديق. إنه انعكاسٌ لحالةٍ نفسية تبحث عن القبول السريع، وتخشى التشكيك، فتستعين بالقسم كوسيلة ضغطٍ معنوي تُغني عن بناء الثقة المتدرج.
ومن زاويةٍ أخرى، يكشف هذا السلوك عن مستوى من ضعف الثقة بالذات؛ إذ حين لا يطمئن الإنسان إلى قوة منطقه أو وضوح طرحه، يلجأ إلى تعبيراتٍ مكثفة تمنح كلامه ثقلًا سريعًا، وإن كان مؤقتًا. كما أن البيئة اللغوية المحيطة تلعب دورًا لا يُستهان به، حيث يتحول القسم إلى عادةٍ مكتسبة تُقال بلا وعي، نتيجة التكرار والتقليد.
أما تربويًا، فإن الإكثار من الحلف يشي بخللٍ في ترسيخ قيمة الصدق كمنظومة سلوكية أصيلة؛ فالصدق في جوهره لا يحتاج إلى إثباتٍ لفظي مستمر، بل يُبنى عبر التراكم السلوكي، ويترسخ عبر المواقف. وحين يصبح الصدق بحاجة إلى قسم، فإن المشكلة لا تكمن في العبارة، بل في تآكل الثقة بين المتخاطبين.
والأخطر من ذلك أن كثرة القسم تُفقد الكلمة هيبتها، وتُضعف أثرها، بل قد تُدخل الإنسان في دائرة التهاون في استحضار اسم الله في غير موضعه؛ وهنا يتحول القسم من قيمةٍ تُعلي الحقيقة إلى عادةٍ تُفرغها من معناها.
غير أن معالجة هذه الظاهرة لا تكون بالتجريح أو الرفض المباشر، بل ببناء وعيٍ متدرج يجمع بين الفهم والتقويم؛ فنحن بحاجة إلى إعادة الاعتبار للصدق كقيمة تُغني عن القسم، وإلى تنمية الثقة بالنفس بحيث يُعبّر الإنسان عن أفكاره بوضوحٍ واتزان، لا بانفعالٍ وتأكيدٍ مفرط.
كما أن من المهم تدريب الأفراد، خاصة الناشئة، على مهارات التواصل الفعّال: ترتيب الفكرة، عرض الدليل، واستخدام نبرةٍ واثقة هادئة؛ فهذه الأدوات تُكسب الحديث قوته الحقيقية دون الحاجة إلى الاستعانة بالقسم. ويُضاف إلى ذلك ضرورة تنمية الوعي بالمحفزات النفسية التي تدفع إلى الحلف، كالشعور بالضغط أو الخوف من الرفض، والعمل على إدارتها بوعيٍ واتزان.
ولا يقل دور القدوة أهمية؛ فحين يسود في المجتمع خطابٌ رصين خالٍ من الحلف المفرط، يتشكل لدى الأجيال نموذجٌ لغوي متزن، يعيد للكلمة قيمتها، وللصدق مكانته.
إننا لا ندعو إلى إلغاء القسم، فهو في موضعه تعظيمٌ للحقيقة، ولكننا ندعو إلى صونه من الابتذال، وحفظ هيبته من التكرار؛ فالقسم ليس أداةً لإقناع الآخرين، بقدر ما هو مسؤوليةٌ أخلاقية ينبغي أن تُستخدم بوعيٍ وتقدير.
ختامًا، نرتقي حين يكون صدقنا أبلغ من أيماننا، وتكفينا كلماتنا حين تحمل وزنها في سلوكنا؛
فليس كل صدقٍ يحتاج إلى قسم، لكن كل قسمٍ يحتاج إلى صدق.



