نبض الفصول

صالح بن سعيد الحمداني
تمضي القلوب في رحلتها كما تمضي الفصول تتبدل أحوالها دون استئذان، وتحمل في طياتها حكايات لا تُروى كاملة، وفي كل إنسان فصل خاص، يتكرر ويختلف في آن واحد، فتارةً يقترب من دفء، وتارةً يبتعد نحو برودة، وبين هذا وذاك تتشكل ملامح التجربة الإنسانية بكل ما فيها من تناقض وثراء، حين تشتد قسوة القلب يشعر المرء وكأن برودة الشتاء تسللت إلى داخله، تتجمد المشاعر، ويصبح التعبير عبئاً ثقيلاً، وتغيب القدرة على البوح، في تلك اللحظات لا يكون الصمت مجرد خيار، بل حالة يعيشها الإنسان بكامل تفاصيلها، تتراجع الكلمات وتتقدم المسافات، ويغدو الاقتراب مغامرة غير مضمونة النتائج، تلك القسوة لا تأتي من فراغ؛ إنها نتاج خيبات متراكمة وتجارب تركت أثرها العميق، حتى أصبح الحذر رفيقاً دائماً.
ثم دون مقدمات واضحة، يلين القلب، تهب عليه نسائم تشبه رقة الربيع، فتتفتح داخله مشاعر دافئة، وتعود إليه القدرة على الاحتواء، في هذه المرحلة يصبح الإنسان أكثر قرباً من نفسه ومن الآخرين، يتسامح، يغفر، ويمنح دون حساب، تتسع المساحات ويزهر الأمل من جديد، وكأن شيئاً لم يكن، وهذا التحول يذكر بأن القسوة ليست قدراً دائماً، وأن في أعماق كل إنسان طاقة متجددة للحنان، وفي مسار هذه التحولات تمر القلوب بلحظات فقد مؤلمة، تسقط منها أشياء ثمينة، كما تتساقط أوراق الخريف في مشهد يحمل جمالاً وحزناً في آن واحد، وقد يكون الفقد علاقة أو حلماً، أو حتى جزءاً من الذات، ورغم الألم يحمل هذا السقوط معنى خفياً، إذ يهيئ المساحة لبدايات جديدة، تتعرى الشجرة من أوراقها، لتستعد لدورة حياة أخرى، وكذلك يفعل القلب حين يتخلى عما أثقله.
غير أن أكثر اللحظات تعقيداً تلك التي يمتلئ فيها القلب بالشوق، شوق متقد يشبه لهيب الجمر، يشتعل بهدوء ويأبى الانطفاء، هذا الشوق يحمل في داخله حنيناً عميقاً، يربط الإنسان بما فقده أو بما يتمنى الوصول إليه، قد يكون الحنين إلى زمن مضى، أو إلى شخص غاب، أو حتى إلى شعور لم يكتمل، ومع ذلك يظل هذا الشوق دليلاً على حيوية القلب، وعلى قدرته على الإحساس رغم كل ما مر به.
يشبه هذا الامتلاء حرارة الصيف، حيث تتصاعد المشاعر وتبلغ ذروتها، وفي خضم هذه الحرارة، يبرز توق خفي للمطر، كحاجة داخلية للارتواء. المطر هنا ليس مجرد ظاهرة طبيعية إنما رمز للخلاص والتجدد، فحين يهطل يعيد التوازن، ويمنح الأرض فرصة للحياة من جديد، وكذلك يفعل الأمل حين يتسلل إلى القلب فيخفف من وطأة الشوق، ويمنح الإنسان قدرة على الاستمرار، السنابل التي تنتظر المطر تمثل الأحلام المؤجلة، وأشتال الزيتون تعكس الجذور الممتدة في عمق الأرض، تلك التي تحتاج إلى رعاية وصبر حتى تنمو، هذه الصور تختصر علاقة الإنسان بأحلامه؛ انتظار طويل، تعب، ثم لحظة ارتواء تعيد كل شيء إلى مساره، لا يحدث ذلك بسرعة، ولا يأتي بسهولة، لكنه يظل ممكناً.
إننا نؤمن بأن لا تستقر القلوب على حال واحدة تتقلب كما تتقلب الفصول، وتحمل في كل مرحلة درساً مختلفاً، القسوة تعلم الحذر، واللين يفتح أبواب القرب، والفقد يكشف قيمة ما كان، والشوق يذكر بعمق المشاعر، وبين هذه الحالات جميعها، تتشكل هوية الإنسان، وتتكون نظرته للحياة، هكذا تستمر الرحلة دون توقف، ودون نمط ثابت، كل قلب يعيش فصوله بطريقته الخاصة، وكل تجربة تترك بصمتها التي لا تتكرر، وفي هذا التبدل المستمر يكمن سر الجمال، حيث يمنح التنوع للحياة معناها، ويجعل لكل لحظة طعمها المختلف.


