مقالات صحفية

الخاتمــــة

  إيمان الحبيب

من منا لم يجد نفسه يوماً عالقاً أو باحثاً عن خاتمةٍ جميلة، يحاولُ أن يجد مخرجاً لها ولكن هيهات؛ فالكثير من التساؤلات تؤرقنا، تتعبنا، والشكوك تزدري بنا. نتحاملُ على أنفسنا ونعاندَ الأقدار متشبثين بالصبر والتمني؛ عل وعسى أن يتغير فلان وفلانة. بعد أيامٍ، أشهرٍ أو حتى سنوات من الألم وجلد الذات، تتبلور الرؤى وتتبدد الغشاوة عن أعيننا لنتفاجأ بموعد مع القدر مصمم خصيصاً لخوض المعترك الأخير ووضع الخاتمة!

لماذا نرفع سقف توقعاتنا من الآخرين؟

عندما نرفع من سقف توقعاتنا مع الآخرين دون التدقيق في طبيعتهم البشرية وملاحظة الأسباب التي تدفعهم للتعامل معنا بسلوكيات مرضية تحُط من قدر شخصياتنا والتعامل معنا بدونية، لا بد لنا أن نصل إلى مرحلة ندرك من خلالها حجم الضرر النفسي الذي تسببنا به لأنفسنا عندما سمحنا لهم بالاستمرار والتمادي.

لذا علينا دائماً أن لا نرفع سقف توقعاتنا من أي كائنٍ كان ولا نُوجد له المبررات والدوافع التي تسمح باستباحة حرماتنا الأخلاقية والوجدانية، حتى لا نقبع في نفس الدوامة من الإغراق بالتفكير بحثاً عن إجابات شافية، لأنك لن تجدها! فمن اختار أن يكون متطرفاً في الدين أو السياسة، لن تقوى على مواجهته لتغيير قناعاته ومعتقداته الفكرية، وإن حاولت؛ فغالباً ستهزم.

من جانب أُسري كذلك نلاحظ أن بعض العوائل تحتوي على أشخاص تتصرف من منطلق أناني عندما ينحصر فكرهم بقناعة أنك أخي أو أختي، ولا بد لكم من الاقتناع بفكري وتقبل تصرفاتي وأفعالي، بل والانصياع لأوامري دونما أي اعتراض أو الخوض في نقاش لماذا وكيف وماذا لو فعلت ذلك بدلاً من ذاك ؟! أو أن يأخذ دور الناصح إن لجأت له للفضفضة. أغلبنا يتمنى أن يجد في قربه من أخوته ملاذاً آمناً للاحتواء دون الحُكم علينا، ولكن قلما تنجح تلك المحاولات.

من جانبٍ آخر، لعل أكثر العلاقات الإنسانية تعقيداً هي العلاقة الزوجية، فعندما يتحول من اخترته شريكاً للحياة إلى شخص يؤذيك، يصبح فهم دوافعه أمراً بالغ الصعوبة، لأن الحب كثيراً ما يعمي صاحبه عن رؤية الحقيقة، ويدفعه إلى تفسير الأذى على أنه استثناء لا حقيقة.

ولنكن منصفين هنا، فاختلال العلاقة الزوجية يقع على عاتق الشريكين في أغلب الحالات عندما يتجنبون مبدأ المصارحة والوضوح بعد دخول قفص الزوجية وذلك خوفاً من التأويل الخاطئ وتهويل الأمور، لذا نجدهم ينأون بأنفسهم عن مبدأ المواجهة ويلوذون بالصمت، آملين النجاح في أداء أدوارهم التمثيلية المفروضة عليهم كزوج أو زوجة تجنباً للوقوع بأية أمراض نفسية أو عضوية محتملة.

كم هو جميل لو أن الشريكين يتفقون على تأطير مفهوم الصداقة بكل شفافية ووضوح بينهم، ولكن ذلك يتطلب الكثير من الالتزام بمعايير أخلاقية مثل؛ الاحترام، الصدق، الثقة والإخلاص وغيرها الكثير، فهل يا ترى لديهم من الجرأة والشجاعة في الالتزام بها؟أترك الإجابة لكم.

متى تتحول الصداقة إلى تعلق؟

هنا نأتي إلى ظاهرة بدأت تنتشر بكثرة في مجتمعاتنا، ألا وهي علاقة الصداقة الخاصة بين الرجل والمرأة، من وجهة نظري الشخصية لم يعد هناك شيء اسمه علاقة حب نقية بين آدم وحواء، وإن وجدت فهي ندرة. ما يوجد الآن هو علاقة يتم الاتفاق على شروطها مسبقاً قبل الخوض فيها تحسباً لأية التزامات أخلاقية مستقبلية.

يلتقي آدم وحواء في مكان ما صدفة في محيط العمل أو في إحدى المجمعات التجارية أو عن طريق منصات التواصل الاجتماعي، يحصل بينهم استلطاف وارتياح متبادل، ومن ثم يتفقان على لقاء فعلي للتعارف. يلتقيان أول مرةٍ على شاطيء البحر أو في مطعم، ثم يتفقان فيما بعد على اللقاء في مكان أكثر خصوصية، يتحدثان كثيراً ويتوافقان فكرياً. لكن بحكم الحرمان العاطفي يغلبهم الشوق، وتبدأ الكيمياء البشرية بينهم بالتفاعل فيقومان بتبادل الأحضان والقبلات، وتشعل فتيل الرغبة المكبوتة. في مجتمعات اعتادت كبت الرغبات، قد تتحول المشاعر الصامتة إلى رغبة ملتهبة يصعب السيطرة عليها، فالرغبات لا تقهر بالكبت، وإنما تؤجل.. حتى تجد اللحظة التي تظن فيها أنها انتصرت.

عندما تتدخل الرغبة في اتخاذ القرار:

في حقيقة الأمر فإن ممارسة الحب تحت مظلة الصداقة هو أمرٌ مقبول ربما في المجتمعات الغربية، وبرأيي الشخصي أن مسألة الدخول في علاقة صداقة وتغليفها بمشاعر حب مكبوتة من أجل إشباع الرغبة لهو أمرٌ مجحف وتبخيسٌ لقيمة الجسد والروح الإنسانية. فكيف للإنسان السوي أن يرضى بذلك، سواء كان رجل أو امرأة دونما الشعور بالحب!

انتشر هذا النوع من العلاقات وبكثرة وحول الإنسان إلى شخص مادي جاف بلا مشاعر، وجعله في حالة ضياع وخواء عاطفي تدفعه للخوض في علاقة مسمومة تركز على جانب واحد، ولكن بعد فترة من العلاقة تتولد مشاعر الحب تلقائياً وخصوصا لدى الأنثى، أما الذكر غالباً ما يستطيع فصل مشاعره وتجاهل مشاعر الحب وحتى إن شعر بها، هل تعتبر تلك أنانية؟ ربما نعم وربما لا، فلا ننسى بنود الاتفاق المسبقة لعلاقة الصداقة الخاصة، ومنها اللاحب!

لماذا تكون المرأة أكثر تأثراً بعد العلاقة؟

ولأن المرأة عاطفية غالباً بطبعها تندفع نحو ذلك الرجل الذي وثقت به وأمنته على نفسها ونجح بالتسلل الى روحها العطش؛ فتقع في فخ الحب! تضعُف أكثر وتُصرح عن حبها ولكنه لم يُرد أن يتطور الأمر على هذا النحو وذكرها بأنهم أصدقاء فقط! ولكنها تستمر بمحاولات الإقناع، يتغير معها فتنتفض مطالبةً بحقها لأخذ العلاقة نحو وضعها الطبيعي.

يُصر على موقفه، يزهد بها وينفر منها، يقرر الإبتعاد عنها إلى أن تهدأ، ولكن تثور ثائرتها وتقع في دائرة الغضب والحزن وجلد الذات! فهي تلوم نفسها أنها تجاوزت بنود الاتفاق وغامرت بخسارة الصديق الذي حسبته حبيباً وربما شريكاً.

“ظل راجل ولا ظل حيطة” هذا المثل الدارج في مجتمعاتنا العربية يبين ضرورة وجود الرجل في حياة المرأة، ولكن ألا يفترض أن يكون الرجل سند ومصدر أمان، وهنا لا نعمم إنما من خلال تلك المنعطفات في حياتنا يظهر معدن بعض الرجال الذكوريين، فهو ذكرٌ فقط من يعتبر المرأة منفضة سجائر!

تجدين نفسك الآن وحيدة خائفة وحزينة، تحاولين التحرر من جاذبية صديق المنفعة الذي أرضى غرورك الجسدي ولكنه أعرض عن تلبية طموحك العاطفي، هل تحاولين العودة إليه لفرض وجودك مثلما يريد هو أم تقبلين بالحرية والتظاهر بأن شيئاً لم يحدث وتقررين التجاوز خلال أيام؟ لا يا عزيزتي، فالأُولى تعني العودة إلى مصيرٍ مجهول والدوران في نفس الدوامة، والثانية هي وسيلة هروب؛ لذا عليكِ أن تُقنعي نفسك بأنك قوية وبإمكانك تجاوز الأمر تدريجياً، وهذا لا يحدث بسرعة وبسهولة، وعليكِ أن تسمحي للوقت بأن يعالج ذلك الجرح إلى أن يتحول إلى ندبة صغيرة ينساها الزمان.

عندما تسيطرين على رغباتك فإنكِ تعززين من قيمة ذاتكِ وقوة إرادتك. عاملي ذلك الذكوري كصديق فقط مثلما أراد، وعندما تتجاوزين تلك المرحلة سوف تستعيدين ثقتك بنفسك وكبريائك وتتمكنين من التحكم بمشاعر الحب وتوجيهها في إطار الصداقة الخالصة دون مصالح محددة.

وهنا نعود إلى الخاتمة:

لم يعودا كما كانا، وتوقفت بينهما اللقاءات الغرامية، ولكن تبقى بينهما التواصل الالكتروني، وفي يوم من الأيام يطلب منها اللقاء بعد أن عاوده الحنين، توافق على اللقاء، يجلسان بجانب بعضهما بعضا ويتبادلان الأخبار والحكايا المتنوعة، يندفع نحوها ليلثم شفتاها، تميل بوجهها يُمنةً مُعرضةً عن تلك القبلة التي اشتاقت لها وتمنتها، يحاولُ مرةً أخرى ولكنها تزدادُ صلابة ولا تضعُف، وتشيحُ بوجهها بعيداً.

ينكمش في مكانه مهزوماً ويهتز؛ أنا الرجل! يغدو مذهولاً متساءلاً من أين أتت بتلك القوة لترفضني؟ نعم أيها الذكوري، هل توقعت بعد أن تمكنتَ من مشاعرها، بأن تستمر معك في لعب تلك اللعبة المشؤومة؟! لا لن تسمح لك بذلك، أردتَ أن تبقى صديق فقط وكان لك ذلك، أما قلبها فهو جزءٌ من جسدها متصلان معاً، وهم أغلى ما تملك ولن تتخلى عن نفسها.

في حين أنه من السهل عليها الآن التخلي عنك أنت، فقد انتصرت في المعترك الأخير! وسقط القناع عن وجهك الذي أحبت، وأدركت بأنها لم تحب ذاك الرجل، إنما أحبت الصورة التي رسمتها له في مخيلتها وأقنعت نفسها بها.

نعم أيتها المرأة كوني قوية، وازني بين عاطفتكِ ورجاحة عقلكِ، ستُدركين قيمتُكِ الحقيقية عندما تُحكمين السيطرةَ على رغباتكِ، ولأن قوة العقل هي الأقوى؛ فتسلحي بها فهي ما ستُعيدُكِ إلى رُشدك ورزانةِ أفعالُكِ وتصرفاتُكِ.

الخلاصة والرسالة:

ليس كل ما نشعر به بعد القرب هو حُب، فبعض المشاعر تولد من الاحتياج، وبعضها من الرغبة، وبعضها من الخوف من الفقد. والخطر لا يكمن في هذه المشاعر بحد ذاتها، بل في أن نعطيها الاسم الخطأ، فنبني عليها قرارات قد تغير مسار حياتنا. لذا ليس كل ما نظنه حباً هو حُب، وأخطر ما قد يواجهه الإنسان ليس أن يخدعه الآخرون؛ بل أن يخدع نفسه! فالاحتياج يجعل الإنسان يفسر الاهتمام على أنه حُب، والوحدة تجعل القرب يبدو قدراً، والرغبة قد تجعل العقل يبرر ما كان يرفضه، ثم بعد انتهاء العلاقة يكتشف الإنسان أن أكثر من خدعه لم يكن الطرف الآخر بل نفسه.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights