الخواطر

أطياف مغتربين

غنية السعدية

بين أزقة الذاكرة تحوم أطياف من ركنوا فنجان قهوتهم على منضدة خشبية جمعتنا ذات يوم، ليصبحوا مغتربين في وطن ليس وطنهم. لتعود بنا عقارب الساعة إلى ذكريات والحنين للتفاصيل الصغيرة، ونبحث ببوصلة الشوق عن شواطئ أهازيج الماضي، ورائحة عبق الذكريات، وأجنحة تبحر بنا على سهول شريط اللحظات. كل ذلك بات يحوم حولنا كأطياف مغتربين.

لا يُقاس الفقد بحقبة معينة. “في الحنين، لا فرق بين يوم أو عام؛ فحجم الشوق يفوق فكرة الزمن”. نفقد أشخاصًا رحلوا منذ أعوام ولازال طيفهم يشاركنا فنجان قهوتنا، رغم ألم فقدهم إلى الأبد. وهناك من نفقدهم لأقل من ثانية كأنهم رحلوا عنا لأعوام مديدة. أي مقبرة ننسجها ونحن على قيد الحياة؟ وأي منديل نضعه لنمسح دموع غربتنا؟

يذكر أبو حيان التوحيدي، الذي يُعد أعمق من وصف الغربة في التراث العربي، حيث قال: “أغرب الغرباء من صار غريبًا في وطنه، وأغرب الغرباء من تأتيه الغربة من باطنه”. وفي وصفه لحال الإنسان الغريب: “يا رحمتا للغريب! طال سفره من غير قدوم، وطال بلاؤه من غير ذنب”. أطياف مغتربين هي مرحلة يصل إليها الإنسان وتتجسد في صورة بلا عنوان، وحديث يفقد الدفء والكثير.

ويذكر إيمانويل كانط أنه عبّر عن غربة الروح وألم التواصل قائلاً: “غربتنا عن الحياة لا تُفهم إلا بغربتنا عن الآخرين”.

كيف يتركون أطيافهم تحوم حولنا، ثم يقدمون لهم سكينًا صنعت من خيبات الماضي ليقطعوا حبل الوصل، ويصبحوا أطيافًا مغتربين؟ الدار ليست دارهم والمكان ليس مكانهم، كمركب يحوم في محيط الذكريات الصامتة.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights