من الصف إلى الإدارة… دمج المجتمع المدرسي: تطوير أم مجازفة لا تُحتمل؟
قراءة نقدية في قرار يمتد من الصف إلى الإدارة، ويفتح تساؤلات جوهرية حول ملاءمته لخصوصية المجتمع وتحديات الميدان التربوي
علي بن مبارك بن خلفان اليعربي
“حين يتجاوز القرار التربوي حدود الصف، ليطال بنية المدرسة كلها… فإن السؤال لم يعد: هل نطوّر؟ بل: ماذا نغيّر؟ وعلى حساب من؟”
ليست كل خطوة إلى الأمام تقدّمًا، فبعض الخطوات، حين لا تُقاس بميزان المجتمع، قد تكون انتقالًا إلى منطقة أكثر ارتباكًا، لا أكثر تطورًا.
في خضم الحديث عن تطوير المنظومة التعليمية، يبرز توجه دمج المجتمع المدرسي – إداريًا وتدريسيًا – من الحلقة الأولى حتى الصف الثامن، بوصفه مشروعًا تغييريًا واسعًا. غير أن هذا الطرح، بدل أن يقدّم إجابات، يفتح أبوابًا واسعة من التساؤلات التي لا يجوز تجاوزها.
لسنا هنا أمام تعديل جزئي، بل أمام إعادة تشكيل كاملة للبيئة المدرسية، تشمل طبيعة التفاعل داخل الصف، وبنية الإدارة، وحدود العلاقة بين الجنسين في واحدة من أكثر المؤسسات التصاقًا بقيم المجتمع.
وحين يصل التغيير إلى هذا المستوى، يصبح من حق الميدان – بل من واجبه – أن يسأل بوضوح:
ما المبرر الحقيقي لهذا التوجه؟ وأي مشكلة قائمة يسعى إلى حلها؟
إن الصفوف حتى الثامن تمثل مرحلة اكتمال النمو الجسدي وبداية النضج النفسي، وهي مرحلة شديدة الحساسية، يصفها علم نفس المراهقة بأنها مرحلة تشكّل الهوية، وارتفاع الوعي بالذات، والتأثر العميق بالبيئة الاجتماعية.
وفي هذا السياق، تؤكد نظرية التعلم الاجتماعي أن الطالب يتعلم من خلال النماذج التي يراها، ويعيد إنتاج سلوكها. فالسؤال هنا ليس بسيطًا:
أي نماذج نضعها أمام الطلبة؟ وأي توازن نُحدثه داخل بيئة لم تُبنَ أصلًا على هذا الشكل من التفاعل؟
ثم إن الواقع الميداني لا يمكن القفز عليه. فالمعلمات – في الحلقة الأولى – يواجهن بالفعل تحديات سلوكية لدى بعض الطلبة الذكور، وقد أثبتت التجربة أن وجود معلم ذكر في مواقف محددة يسهم في ضبط السلوك وإعادة التوازن. لكن تحويل هذا الاحتياج المحدود إلى دمج شامل، هو انتقال غير مبرر من الحل الجزئي إلى التغيير الكلي.
والأكثر إلحاحًا، أن هذا الدمج لا يقتصر على الصف، بل يمتد إلى الكادر الإداري، وهنا نكون قد تجاوزنا الإطار التربوي إلى تحول في طبيعة المدرسة نفسها.
فما الذي سيبقى من خصوصية البيئة المدرسية في مجتمع محافظ؟
وهل تم قياس أثر هذا التحول على سلوك الطلبة؟ على تركيزهم؟ على شعورهم بالأمان النفسي؟
وهل أُشرك أولياء الأمور في فهم أبعاده؟ أم أن القرار يمضي أسرع من وعي المجتمع به؟
ولعلّ من اللافت أننا لسنا أمام تجربة تُطرح لأول مرة. فقد مرّ المجتمع بتجربة المدارس ذات الفترتين (الصباحية والمسائية) التي ضمّت الجنسين، ولم تكن نتائجها – في جانبها السلوكي – محل ارتياح واسع، بل أفرزت تحديات في الانضباط وأنماط التفاعل، ما استدعى مراجعات لاحقة.
ولست أطرح ذلك من باب التنظير، بل من واقع معايشة مباشرة للميدان التربوي، حين كنت جزءًا منه، وشاهدت عن قرب أثر تلك التجارب على الطلبة والبيئة المدرسية. إنها تجربة لا تزال حاضرة في ذاكرة كثير من التربويين، لا بوصفها مرحلة عابرة، بل كدرس ينبغي ألا يُتجاوز.
فهل نعيد التجربة، ولكن بصورة أوسع؟
إن التطوير الحقيقي لا يكون في استنساخ النماذج، ولا في تعميم الحلول، بل في فهم السياق، واحترام خصوصية المجتمع، والبناء على الخبرة المتراكمة لا القفز فوقها.
ختاما لسنا أمام إجراء تنظيمي بسيط، بل أمام تحول شامل يمس هوية المدرسة وطبيعة المجتمع معًا.
وحين تتقاطع التجربة السابقة مع الواقع الحالي، يصبح التحفّظ موقفًا مسؤولًا لا معارضة عابرة.
لقد رأينا من قبل، وندرك اليوم، ونخشى غدًا.
*فهل نملك شجاعة التوقف قبل أن نُعيد الخطأ بصورة أكبر؟*



