العطاء حياة

صالح بن سعيد الحمداني
المبادئ والأسس التي يحيا عليها الإنسان هي نتاج تجاربه وتربيته وحياته، التي تتشكل دائمًا بجوهر النقاء والطيبة والوفاء والصفاء. ونقاء القلوب وسلامة الصدر من أهم مقومات الحياة، رغم ما نمرّ به من ظروف ومعطيات وتقلبات في حياتنا اليومية.
الحياة التي نعيشها غي عالمٍ يزداد صخبًا وتعقيدًا يوماً بعد يوم، وفي الوقت نفسه يغلب عليه الطابع المصلحي والمادي، تظل تلك القلوب الطيبة كالنجوم التي تُضيء ليل الإنسانية الطويل؛ هي القلوب التي تُعطي دون انتظار مقابل، وتغفر دون تردد، وتحنو حتى على من قسى؛ كثيرون يعتقدون أن الطيبة ضعف لكنها في الحقيقة قوة من نوع آخر، قوة تستمد معناها من نقاء النية، وصفاء السريرة، والإيمان بأن العطاء هو ما يمنح الحياة قيمتها الحقيقية، الطيبة إنها منهج حياة وطريقة تفكير، تُعبّر عن منظومة أخلاقية متكاملة تنشأ من التربية، وتتغذى على الإيمان والمبادئ الإنسانية، فهي لم تكن بيوم مجرد سلوكٍ عابر أو ردة فعل وقتية، ولكنها القلب الطيب هو الذي يرى في الناس خيرًا حتى حين يخذلونه، ويسعى للصلح حين يختار الآخرون الخصام، ولعل هذه الصفات ما جعلت القلوب الطيبة تشبه الذهب الذي لا يصدأ، مهما مرّ عليه الزمن أو تلوثت البيئة من حوله.
لكن السؤال الأهم الذي يطرحه كثيرون اليوم هو هل لا تزال الطيبة تجد مكانًا في هذا العالم المليء بالصراعات والمصالح ووصلت للحروب الطرحنة؟
الإجابة ليست بسيطة، ففي زمنٍ تزداد فيه الضغوط الاجتماعية والاقتصادية، وتُقاس فيه العلاقات بمدى المنفعة، أصبح من الصعب أن نجد تلك القلوب النقية التي تعطي حبًا وسلامًا بلا مقابل، البعض يرى أن الطيبة لم تعد تُجدي نفعًا في عالم لا يعترف إلا بالقوة، وأن أصحاب القلوب الطيبة غالبًا ما يدفعون الثمن غاليًا، سواء بالتهميش أو الاستغلال أو الخذلان، ومع هذا لا يمكن إنكار أن المجتمع لا يزال بحاجة ماسّة إلى هذه القلوب بل ربما أكثر من أي وقت مضى، فبينما تسود الأنانية والتنافس غير الشريف يظهر أصحاب القلوب الطيبة كصمام أمان يحفظ توازن العلاقات الإنسانية، فهم من يبادرون بالمساعدة، ويغرسون بذور الثقة، وينشرون روح المحبة في بيئة قد يسيطر عليها الجفاء واللامبالاة، وجودهم يذكّرنا بأن القيمة الحقيقية للإنسان فيما يمنح وليس فيما يملك.
من الناحية الاجتماعية تلعب القلوب الطيبة دورًا خفيًا لكنه مؤثر في بناء الروابط الاجتماعية المتماسكة، فالأشخاص الطيبون عادة ما يكونون محور التوازن في أسرهم ومجتمعاتهم الصغيرة، لأنهم يملكون القدرة على امتصاص الغضب، وتخفيف حدة النزاعات، ونشر التسامح، الدراسات الاجتماعية الحديثة تشير إلى أن المجتمعات التي يسود فيها روح العطاء والتعاطف، تقل فيها نسب الجريمة والعنف، وتزداد فيها مستويات الثقة والتعاون، وهذا ما يجعل الطيبة عاملًا من عوامل التنمية الاجتماعية لا مجرد قيمة فردية، غير أن التحدي الحقيقي يكمن في إيجاد التوازن بين الطيبة والحكمة؛ فأن تكون طيبًا لا يعني أن تسمح للآخرين باستغلالك، أو أن تتغاضى عن الظلم بحجة التسامح، الطيبة الواعية هي التي تعرف متى تُعطي ومتى تتوقف، متى تُسامح ومتى تضع الحدود، فالخير إن لم يكن مقرونًا بالبصيرة، قد يتحول إلى ضعفٍ يُفقد صاحبه احترام الآخرين، من هنا تنبع أهمية التربية على “الطيبة المتزنة” منذ الصغر، أي تنشئة جيل قادر على الجمع بين الرحمة والوعي، العطاء والكرامة، على الجانب النفسي، يعيش أصحاب القلوب الطيبة غالبًا حياة أكثر رضا وسلامًا داخليًا، رغم ما يواجهونه من خيبات، فهم يدركون أن السعادة من منحها لا تأتي من جمع الأشياء، والدراسات النفسية تؤكد أن الأشخاص الذين يمارسون العطاء والتطوع يشعرون بدرجة أعلى من الاستقرار العاطفي والرضا عن الذات، والسبب في ذلك أن الطيبة طاقة إيجابية تُعيد للإنسان توازنه الروحي في عالم مضطرب.
ولا يمكن أن نغفل الدور الإعلامي في تعزيز هذه القيمة، فالمجتمعات المعاصرة تتأثر كثيرًا بما تُقدّمه وسائل الإعلام من نماذج وقدوات، حين تبرز القنوات والبرامج شخصيات طيبة حققت التغيير بالحب والرحمة، فإنها تزرع في الناس الإيمان بأن الخير ما زال ممكنًا، وأن الطيبة ليست حكاية مثالية من زمنٍ مضى، إنها سلوك واقعي يمكن أن يُغيّر العالم، ويمكن القول إن القلوب الطيبة قوة اجتماعية فاعلة تُعيد التوازن لعلاقات البشر، وتُنعش روح التضامن الإنساني التي تكاد تذبل، ربما يتغير الزمن وتتعقّد المصالح، لكن تظل القلوب النقية كالينابيع التي لا تنضب، تروي الظمأ الإنساني إلى الحب والرحمة، إنها القلوب التي تُعطي دون حساب، وتغفر دون مقابل، وتُضيء الطريق حين يعمّ الظلام، وفي زمنٍ تكثر فيه الأقنعة وتختلط فيه النوايا، تبقى الطيبة هي الذهب الذي لا يصدأ… بل يزداد لمعانًا كلما اختبرته الحياة.


