حين يصبح الصدق غريبا بيننا ..

علي بن عبدالله الشبلي
في زمن يمكنك فيه انطاق من تُريد ليقول ما تُريد وتحريك أيّ ثابت وتثبيت أيّ متحرك وُلِد جيل مترددا يخشى المقاومة وتكرار المحاولات ، فلا يملك شجاعة القائد الفذ الذي تتمحور حوله الهمم لبناء الأمم .. في هذا الزمن العجيب، لم يعد الصدق واضحًا كما كان، ولم تعد الحقيقة تُرى بسهولة. أصبح الكذب وسيلة عبور في العلن وفضفضة للجدران في الخفاء !
صار أسلوبا برونقا خاصا لبعض الناس أن يجعلوا الكذبة تبدو كأنها الحقيقة، وأن يزرعوا الشك في قلب كل من حولهم .. يتكلمون بثقة، ويتصرفون بثبات، حتى يخيّل لمن يسمعهم أنهم على حق، بينما الحقيقة قد تكون بعيدة تمامًا عمّا يقولون.
وفي وسط هذا الضجيج، يقف الصادق أحيانًا حائرًا؛ لأن الحقيقة لا تحتاج إلى زينة، لكنها قد تبدو ضعيفة أمام من يتقن التلاعب بالكلمات. فهناك من يستطيع أن يقنع الآخرين بما يريد، لا لأنه يملك الحقيقة، بل لأنه يعرف كيف يلوّنها ويقدّمها بالطريقة التي تخدمه.
لكن المشكلة الحقيقية ليست في الكذب نفسه فقط، بل في أثره العميق على القلوب. فعندما يعتاد الإنسان على سماع التناقضات والخداع، يبدأ الشك يتسلل إلى داخله شيئًا فشيئًا. يفقد ثقته بالكلام، ويتردد في تصديق الناس، حتى أولئك الذين يحبهم. ومع مرور الوقت، قد يصل إلى مرحلة لا يصدق فيها أحدًا، وكأن قلبه أصبح محاطًا بجدار من الحذر والخوف.
هكذا تتحول الكلمات من وسيلة للتقارب إلى سبب للبعد، ويصبح الصدق ضحية بين من يبالغ في الكلام ومن يختلق الحكايات. لذلك يبقى الصدق، رغم كل شيء، أثمن ما يملكه الإنسان. فالحقيقة قد تتأخر في الظهور، وقد يحاول البعض إخفاءها، لكنها في النهاية تجد طريقها إلى النور لأن ما بُني على الكذب قد يلمع للحظة، لكنه لا يستطيع أن يصمد طويلًا أمام نور الحقيقة .


