الخميس: 26 مارس 2026م - العدد رقم 2866
مقالات صحفية

ليتك ضربتني ..

عائشة الفارسية

يحكي لي أحد الأشخاص أنه عندما كان طالبًا في المرحلة الابتدائية مرّ بموقف تعلّم منه الكثير، درسٍ استفاد منه في حياته القادمة، حدثني قائلا: كان لدينا معلم الدراسات الاجتماعية شديدًا علينا داخل الصف، لكنه بعد الحصة يكون مثالًا للمعلم الحنون الذي يتعامل مع طلابه كأبنائه؛ يقف معهم، يعلّمهم، ويساعدهم، في أحد الأيام طلب منا تأدية واجب منزلي على أن ننتهي منه في اليوم التالي، وكنا نعلم أنه لا يسامح في الدراسة، ويحب أن نحضر دروسنا أولًا بأول وننتهي من واجباتنا دون تأجيل، لذلك كنا نحاول دائمًا أن نكون عند حسن ظنه، خصوصًا الطلاب المتفوقين؛ إذ يكون العقاب عليهم أقوى ليعلّمهم ألا يؤجلوا عمل اليوم إلى الغد، رجعت من المدرسة وأنجزت واجباتي وراجعت دروسي، وفي اليوم التالي حملت حقيبتي وذهبت إلى مدرستي دون أن أتأكد من أدواتي وكتبي، لأني استيقظت متأخرًا فوضعت كل شيء بسرعة في الحقيبة.

الحمد لله مرت جميع الحصص على ما يرام ولم أنسَ شيئًا، حتى جاءت آخر حصة، وكانت لمعلمنا الشديد في الصف. دخل علينا، وبعد أن سلّم وأمرنا بالجلوس، طلب منا جمع دفاتر الواجب المنزلي، هنا كانت الصاعقة التي أذهلتني؛ لم أجد دفتر الواجب في الحقيبة، بحثت هنا وهناك ولم أجد شيئًا، وكانت هذه أول مرة في مشواري الدراسي أنسى فيها واجبي.

لم أكن وحدي من لم يحضر الواجب، فهناك مجموعة من الطلاب أيضًا نسوا أو تجاهلوا ذلك، طلب منا المعلم أن نقف، وفي ذلك الزمن كان الضرب التأديبي موجودًا في المدارس، بدأ يمر علينا ويضرب ضربًا تأديبيًا، وبدأ بزملائي، وعندما وصل إلى دوري لم يضربني وقال لي اجلس، جلست لكن ما حدث كان مختلفًا؛ لم ينظر إليّ ولم يكلمني، وكلما رفعت يدي لأجيب عن أسئلته تجاهلني، شعرت بتأنيب الضمير، وحاولت أن ألفت انتباهه، ولكن دون فائدة، انتظرت نهاية الحصة، ثم خرجت إلى معلمي وطلبت منه أن يضربني كما فعل مع زملائي، فقد كنت مخطئًا. لم يلتفت إليّ، وقال «لماذا أضربك؟ أنت شاطر في الحصة» ثم ذهب، وقلت في نفسي ليتك ضربتني ولم تعاملني هذه المعاملة.

في اليوم التالي أحضرت الدفتر وذهبت إليه أعتذر وأستسمح منه، وقلت له إن هذه آخر مرة أنسى فيها واجبًا، سواء معه أو مع غيره، وفعلاً منذ ذلك اليوم حرصت على ألا أؤجل أعمالي أو أنساها، حتى عندما كبرت وصرت في وظيفتي وفي بيتي مع أولادي، ما زالت حكمته ودرسه الذي تعلمته حاضرَين في ذهني، كان درسًا تعلمت منه الكثير، تعلمت أن العقاب ليس بالضرورة أن يكون واضحًا أو بالضرب والصراخ؛ أحيانًا يكفي التجاهل أو نظرة واحدة لنعلم أبناءنا الكثير، فالتعلم في الصغر كالنقش على الحجر.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights