الأُسْرَةُ وَالْمَدْرَسَةُ : شَرَاكَةٌ فِي بِنَاءِ الهُوِيَّةِ العُمانِيَّةِ

د. مُحَمَّد بن خلفان الزُّفَيْتِي
مشرف الهوية والمواطنة بوزارة التربية والتعليم
فِي زَمَنٍ تَتَسَارَعُ فِيهِ التَّحَوُّلَاتُ وَتَتَدَاخَلُ فِيهِ الثَّقَافَاتُ، لَمْ يَعُدْ بِنَاءُ الهُوِيَّةِ مَسْؤُولِيَّةَ مُؤَسَّسَةٍ وَاحِدَةٍ، بَلْ أَصْبَحَ ثَمَرَةَ تَفَاعُلٍ مُسْتَمِرٍّ بَيْنَ مُؤَسَّسَاتِ التَّنْشِئَةِ المُخْتَلِفَةِ، وَفِي مُقَدِّمَتِهَا الأُسْرَةُ وَالْمَدْرَسَةُ. فَهُمَا البِيئَتَانِ الأَقْرَبُ إِلَى الطِّفْلِ، وَالأَكْثَرُ تَأْثِيرًا فِي تَشْكِيلِ وَعْيِهِ وَقِيَمِهِ وَنَظْرَتِهِ إِلَى وَطَنِهِ وَمُجْتَمَعِهِ.
وَمِنْ خِلَالِ الزِّيَارَاتِ الإِشْرَافِيَّةِ لِمَدَارِسِ الحَلْقَةِ الأُولَى أَثْنَاءَ تَدْرِيسِ مَنْهَجِ الهُوِيَّةِ وَالمُوَاطَنَةِ، تَتَجَلَّى مَوَاقِفُ تَرْبَوِيَّةٌ حَيَّةٌ تَعْكِسُ كَيْفَ تَتَحَوَّلُ الشَّرَاكَةُ بَيْنَ البَيْتِ وَالمَدْرَسَةِ إِلَى تَجْرِبَةٍ تَعْلِيمِيَّةٍ مَلْمُوسَةٍ فِي حَيَاةِ الطَّلَبَةِ، فَفِي أَحَدِ الصُّفُوفِ أَثْنَاءَ تَدْرِيسِ دَرْسِ «أُسْرَتِي» مِنْ وَحْدَةِ عَائِلَتِي السَّعِيدَةِ، طَلَبَتِ المُعَلِّمَةُ مِنَ الطَّلَبَةِ أَنْ يَذْكُرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَرْدًا مِنْ أَفْرَادِ أُسْرَتِهِ وَيَصِفَ دَوْرَهُ فِي المَنْزِلِ، بَدَأَ الطَّلَبَةُ يَذْكُرُونَ أَسْمَاءَ آبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ وَأَقَارِبِهِمْ، ثُمَّ أَخَذُوا يَتَحَدَّثُونَ عَنِ التَّعَاوُنِ دَاخِلَ الأُسْرَةِ وَاحْتِرَامِ الكَبِيرِ، كَانَتِ الإِجَابَاتُ بَسِيطَةً، لَكِنَّهَا كَشَفَتْ كَيْفَ يَرْتَبِطُ فَهْمُ الطِّفْلِ لِمَعْنَى الأُسْرَةِ بِمَا يَعِيشُهُ يَوْمِيًّا فِي بَيْتِهِ.
وَفِي مَوْقِفٍ آخَرَ خِلَالَ دَرْسِ «شَجَرَةِ عَائِلَتِي»، لَاحَظْتُ حَمَاسَ الطَّلَبَةِ وَهُمْ يَعْرِضُونَ رُسُومَاتِهِمْ لِشَجَرَةِ الأُسْرَةِ، كَانَ بَعْضُهُمْ قَدْ أَعَدَّهَا بِمُسَاعَدَةِ وَالِدَيْهِ فِي المَنْزِلِ، فَرَاحَ أَحَدُ الطَّلَبَةِ يَشْرَحُ بِفَخْرٍ أَسْمَاءَ أَجْدَادِهِ وَأَعْمَامِهِ، بَيْنَمَا تَحَدَّثَتْ طَالِبَةٌ عَنْ جَدَّتِهَا الَّتِي تُعَلِّمُهَا بَعْضَ العَادَاتِ العُمانِيَّةِ، فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ لَمْ يَكُنِ الدَّرْسُ مُجَرَّدَ نَشَاطٍ صَفِّيٍّ، بَلْ مَسَاحَةً يَلْتَقِي فِيهَا التَّعَلُّمُ المَدْرَسِيُّ بِذَاكِرَةِ الأُسْرَةِ وَتَجَارِبِهَا.
كَمَا شَهِدْتُ فِي إِحْدَى الزِّيَارَاتِ دَرْسًا حَوْلَ «حُقُوقِي وَوَاجِبَاتِي الأُسَرِيَّةِ»، حَيْثُ طَلَبَتِ المُعَلِّمَةُ مِنَ الطَّلَبَةِ أَنْ يَذْكُرُوا بَعْضَ الوَاجِبَاتِ الَّتِي يَقُومُونَ بِهَا فِي المَنْزِلِ، تَحَدَّثَ أَحَدُهُمْ عَنْ مُسَاعَدَةِ وَالِدَتِهِ فِي تَرْتِيبِ الغُرْفَةِ، وَذَكَرَ آخَرُ أَنَّهُ يَحْرِصُ عَلَى احْتِرَامِ وَالِدَيْهِ وَالاسْتِمَاعِ إِلَى نَصَائِحِهِمَا، وَمَعَ النِّقَاشِ أَدْرَكَ الطَّلَبَةُ أَنَّ المُوَاطَنَةَ تَبْدَأُ مِنْ مُمَارَسَةِ القِيَمِ دَاخِلَ الأُسْرَةِ قَبْلَ أَنْ تَمْتَدَّ إِلَى المُجْتَمَعِ.
إِنَّ مِثْلَ هَذِهِ المَوَاقِفِ تُؤَكِّدُ أَنَّ بِنَاءَ الهُوِيَّةِ العُمانِيَّةِ لَا يَتَحَقَّقُ دَاخِلَ جُدْرَانِ المَدْرَسَةِ وَحْدَهَا، بَلْ يَتَشَكَّلُ فِي المَسَاحَةِ المُشْتَرَكَةِ بَيْنَ مَا يَتَعَلَّمُهُ الطَّالِبُ فِي المَدْرَسَةِ وَمَا يَعِيشُهُ فِي أُسْرَتِهِ، فَعِنْدَمَا تَتَكَامَلُ الرِّسَالَاتُ التَّرْبَوِيَّةُ بَيْنَ البَيْتِ وَالمَدْرَسَةِ، تَتَحَوَّلُ المَفَاهِيمُ إِلَى سُلُوكٍ، وَتَتَرَسَّخُ القِيَمُ فِي وَعْيِ الطَّلَبَةِ وَمُمَارَسَاتِهِمُ اليَوْمِيَّةِ.
وَخُلَاصَةُ القَوْلِ:
تُشِيرُ كَثِيرٌ مِنَ النَّظَرِيَّاتِ التَّرْبَوِيَّةِ الحَدِيثَةِ، وَمِنْ أَبْرَزِهَا نَظَرِيَّةُ التَّعَلُّمِ الاجْتِمَاعِيِّ، إِلَى أَنَّ الطِّفْلَ يَكْتَسِبُ القِيَمَ وَالسُّلُوكِيَّاتِ مِنْ خِلَالِ المُلاحَظَةِ وَالتَّفَاعُلِ مَعَ مَنْ حَوْلَهُ، وَلَا سِيَّمَا فِي بِيئَتِهِ القَرِيبَةِ كَالأُسْرَةِ وَالمَدْرَسَةِ، وَحِينَ تَتَكَامَلُ القُدْوَةُ فِي البَيْتِ مَعَ الخِبْرَةِ التَّرْبَوِيَّةِ فِي المَدْرَسَةِ، تَتَشَكَّلُ لَدَى الطَّالِبِ مَنْظُومَةُ قِيَمٍ تُعَزِّزُ انْتِمَاءَهُ وَهُوِيَّتَهُ، وَلَعَلَّ هَذَا المَعْنَى يَنْسَجِمُ مَعَ مَا أَكَّدَهُ السُّلطَانُ قَابُوسُ بْنُ سَعِيدٍ – طَيَّبَ اللهُ ثَرَاهُ – حِينَ قَالَ:
«إِنَّ الإِنْسَانَ العُمانِيَّ هُوَ أَغْلَى ثَرْوَاتِ هَذَا الوَطَنِ.»
حَيْثُ تَبْدَأُ الهُوِيَّةُ العُمانِيَّةُ رِحْلَتَهَا.



