النطق السامي دستور ومنهج حياة
سليمان بن سعيد بن زهران العبري
لقد أصبح كتاب النطق السامي لخطب والدنا ومعلمنا جلالة السلطان قابوس بن سعيد، طيب الله ثراه، منهج حياة وسياسة راسخة عبر خمسة عقود.
فمنذ بداية النهضة العمانية المباركة في 23 يوليو 1970م، وسماع أول خطاب لجلالته، ذلك الخطاب الذي ألقاه ليطمئن الشعب ويعلن من خلاله أنه سلطان للبلاد خلفا لوالده، ويؤكد مسار الطريق، وأن عمان ستكون دولة عصرية ذات تنمية شاملة، وإعادة مكانتها بين دول العالم بأسرع ما يمكن، وفعلا هذا ما تحقق. ثم تلت ذلك الخطابات السامية التي كانت كلها منهج حياة، أعدت بكل عناية ومصداقية.
وقد كان جميع العمانيين، شيبا وشبابا، ذكورا وإناثا، أينما يتواجدون داخل السلطنة أو خارجها، يجلسون أمام شاشات التلفاز يترقبون ويستمعون بكل اهتمام وإنصات للخطابات السامية، وحتى لا تفوتهم كلمة، يرفع الصوت ولا أحد يتكلم، منصتين منذ أن يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، وحتى يقول: والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أكتب هذه الكلمات وكأني أسمع ذلك الصوت القوي، وتلك الكلمات اللغوية الفريدة، وذلك الإلقاء المتميز. وكثيرا ما حضرت أيام الأعياد الوطنية وعلى مقربة منه، وننتظر الخطاب السامي بكل شوق في ميدان الفتح، ومجمع السلطان قابوس الرياضي، وفي مجمعات أخرى في نزوى وعبري. وقد صنف إلقاؤه كأفضل إلقاء عالميا بين حكام العالم أجمع. فعلا وكأني أسمعه الآن والدموع تسيل شوقا وحبا، طيب الله ثراه ورضي عنه كل الرضا.
إن ما كانت تتضمنه تلك الخطابات، والتي مضى عليها سنون طويلة، وكأنه يعيش بيننا حينما تحدث عن السياسة الخارجية مع دول العالم، وبالأخص مع الدول العربية والخليجية. وكان رحمه الله، وفي أكثر خطاباته في الأعياد الوطنية ومجلس عمان، لا يفوت ذكر الموقف العماني الثابت الراسخ حول القضية الفلسطينية، ويؤكد خلالها حق الدولة الفلسطينية المشروع والاعتراف بها دوليا وعاصمتها القدس الشريف.
كيف لا، وفيها المسجد الأقصى الشريف، أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، ومسرى سيد الخلق أجمعين وخاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم، وتؤكدها الآيات القرآنية المباركة الواضحة وضوح الشمس:
(سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى…)
لقد كان جلالته رحمه الله رجل حكمة وسياسة، رجل سلم وهيبة ومكانة، وملما بمختلف شؤون الحياة، وينظر إلى المستقبل وكأنه يراه أمامه، لاسيما في الأمور السياسية. والخطابات تشهد بذلك، مطبوعة ومرئية ومسموعة لمن أراد الاستماع أو القراءة.
وكان رحمه الله يوجه ويقترح لإخوانه حكام الدول العربية والخليجية ما يرى فيه المصلحة العامة والخير والسلم والسلام للمنطقة، حاضرا في ذلك الزمان ومستقبلا. وفي هذا الزمان، والأحداث التي نعيشها اليوم، وقد تكلم عنها وكأنه يعيش بيننا بكل التفاصيل، وله آراء ومقترحات مهمة للمحافظة على قوة وتماسك دول الخليج العربي، وتحفظ لهم وللدول العربية هيبتهم وقوتهم كما كانوا في سالف العصور.
أما بالنسبة للشأن الداخلي لسلطنة عمان، وما تتضمنه خطابات جلالته طيب الله ثراه من النطق السامي، فقد تحقق بفضل الله تعالى أولا، ونعمته وبركاته، ثم بمتابعة جلالته بمختلف القطاعات في كل ربوع عمان، حتى في قمم الجبال والصحراء، خدمات تنموية شاملة لخدمة المواطنين.
ومن أهمها الصحة والتعليم وشبكة الطرق والاتصالات والعمران والبنية التحتية وغيرها الكثير، وكذلك مكاتب الخدمات الحكومية في كل ولاية لتسهيل الأمور، حتى أصبحت سلطنة عمان فعليا دولة عصرية عالمية. وكان جلالته يؤكد أن:
“الوظيفة تكليف ومسؤولية قبل أن تكون نفوذا أو سلطة”
كما قال أيضا:
“الرحمة فوق القانون”
وكان رحمه الله محبا رحيما بشعبه.
نحن جيل مواليد أواخر الستينات، وهذا الجيل من أسعد الأجيال، حيث لم نلحق بمعاناة الآباء والأجداد قبل عصر النهضة العمانية من حياة الجهل والظلام والفقر. وبلغنا سن الدراسة الخامسة من العمر متزامنا مع بداية النهضة المباركة، وبدأ هذا الجيل بالتعليم في سنه القانوني مباشرة.
بينما الأجيال السابقة عاشوا أياما صعبة على المستوى الداخلي من الحاجة، وعلى المستوى الخارجي أيام الحروب العالمية والداخلية. لذا أقول إن جيلنا، بفضل الله ونعمه، من أسعد وأفضل الأجيال، جيل المحظوظين. بدأنا نقطف ثمار النهضة المباركة منذ أيام الطفولة، منذ عام 1970، ونشهد التطورات يوما بعد يوم، وعاما بعد عام.
وكنا نتسابق لسماع الخطاب السامي وكأنه هلال العيد، لأننا ندرك تماما أنه سيتضمن خيرا لمصلحتنا ويمس حياتنا. ولهذا كانت العلاقة بين القائد وشعبه علاقة أبوة ومحبة صادقة على مدى نصف قرن من الزمان.
نعم الأب، ونعم المعلم، ونعم المربي، ونعم القائد، ونعم السلطان. فأبناء جيلنا خاصة نعتبره أبا ومعلما ومربيا قبل أن يكون حاكما وسلطانا.
حتى جاءنا الخبر الأليم في يناير 2020، بعدما أكمل خمسين عاما من العطاء المتواصل والإدارة الحكيمة منذ 1970 حتى 2020. يوم لا ولن ينساه العمانيون، يوم الحزن الكبير، يوم إعلان وفاته. رحل بجسده، لكنه لم يرحل من القلوب. أينما توجهنا في سلطنة عمان، في كل شبر، نجد ما يذكرنا به.
فإنا لله وإنا إليه راجعون.
إن الدروس متواصلة حيا وميتا، ومما زادنا له حبا ما تعلمناه من حكمته في ذلك السر العظيم الذي حرص عليه لأمن وسلامة عمان بعد رحيله، دليل حبه العظيم لوطنه وشعبه، وبقاء ذلك السر لسنوات طويلة مكتوما في وصيته المشهورة.
وقد أشار في وصيته إلى الأسرة الكريمة الحاكمة لتولي السيد هيثم بن طارق مقاليد الحكم في البلاد، اختيارا جاء بعد دراسة عميقة، ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب.
وفعلا تلقت الأسرة الكريمة الحاكمة هذه الإشارة عبر الوصية السلطانية بكل ترحيب، جزاهم الله خير الجزاء، وهذا أيضا دليل ثقتهم وحبهم فيه.
ونحن المواطنين، الشعب العماني، تلقينا الخبر المفجع الحزين بإعلان الوفاة، وما هي إلا سويعات حتى تلقينا خبر فتح الوصية ومبايعة جلالة السلطان هيثم بن طارق سلطانا للبلاد.
فنعم الخلف ونعم السلف، وهذا الشبل من ذلك الأسد.
فمنذ بداية عام 2020، يوم تولي جلالة السلطان هيثم مقاليد الحكم في البلاد وحتى اليوم، ولأكثر من خمسة أعوام، فالحق يقال: أنقذ البلاد من وضع اقتصادي صعب، وتمت معالجته وفق سياسة التوازن مع تعاون الجميع.
حتى أصبحت الإنجازات ملموسة خلال فترة وجيزة، والعالم قبل أهل عمان يشهد لجلالته بالحكمة السياسية وبعد النظر. واستطاع في وقت قياسي أن يحل أغلب الأزمات والمشاكل في الداخل، ويثبت العلاقات الدولية على نهج راسخ ثابت، مع التمسك بالقيم الإسلامية والعادات العمانية الأصيلة.
إن كتب النطق السامي للسلطانين المحبوبين قابوس وهيثم ليست مجرد كتب عادية، بل هي دستور حياة كما جاء في العنوان. ونرجو أن تطبع لكل بيت ولكل جامعة وكل مدرسة، وأن تكون مختارات منها مادة في كتب وزارة التعليم في مختلف المراحل.
فهي خلاصة فكر وتوجه وسياسة وطن، ولا بد أن ينسجم الفكر بين القمة والقاعدة، بين القائد وشعبه.
وها نحن اليوم، بحمد الله، تعيش سلطنة عمان حكومة وشعبا بنفس الفكر والتوجه والثبات والرسوخ، في وقت الاضطرابات العالمية. ونعيش بحمد الله في توافق عكس ما تعيشه الكثير من الدول.
فهذه نعمة عظيمة وفضل كبير، وما كانت لتتم لولا قناعة الشعب وثقته بما تتخذه الحكومة من قرارات.
ونسأل الله أن يحفظ مولانا جلالة السلطان هيثم، وأسرته الكريمة، والمخلصين من حوله، ويوفقهم لفعل الخير والصلاح والإصلاح، وأن يجعل عمان في رخاء ورغد من العيش الكريم.
يا رب العالمين.



