اضرب الظالمين بالظالمين

صالح بن ناصر المحروقي
في كل مرة يقع فيها صراع بين قوة معتدية وبين طرف من المسلمين، يظهر خطاب يحاول أن يبدو في صورة الحياد والإنصاف، خاصة حين تكون لدى أصحابه خصومات طائفية أو مذهبية أو سياسية مع أحد أطراف الصراع، وفي مثل هذه الأجواء يتكرر على ألسنتهم دعاؤهم “اللهم اضرب الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بينهم سالمين”.
ومع أن هذا الدعاء يبدو في ظاهره منصفاً، لأنه يوحي بأن الظلم سيرتد على أهله وأنّ قائله يطلب السلامة من الفتنة، إلا أن استعماله هنا يحمل معنى آخر، إذ يوحي بأن جميع أطراف الصراع سواء في الظلم، وكثيراً ما يخفي هذا الأسلوب حالة من الانتقام والتشفي بسبب خصومات سابقة مع أحد الأطراف، فيُوصَف بالظلم ابتداءً حتى يُبرَّر الابتعاد عن نصرته أو التعاطف معه.
وقد يستأنس بعضهم لهذا الموقف بقوله تعالى “وكذلك نولي بعض الظالمين بعضاً بما كانوا يكسبون”. غير أن الآية تتحدث عن سنة كونية يُجريها الله تعالى في خلقه، إذ قد يسلط بعض الظالمين على بعض بسبب ما يقع بينهم من تعدٍ وعدوان، فتكون عاقبة الظلم أن يرتد بعضه على بعض، فالآية لا تحمل توجيهاً للمسلم بأن يقف موقف المتفرج عندما يكون الصراع بين الحق والباطل.
كما أن هذا الدعاء بهذه الصيغة لا يُعرف أنه ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، لا في حديث صحيح ولا في حديث ضعيف. ولهذا فإن تداوله بهذه الصيغة يحتاج إلى مراجعة، لأن الأصل أن يستند المسلم في دعائه إلى ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، فهو القدوة والأسوة الحسنة.
وموقف المسلم تجاه الظلم في الشريعة يقوم في الأصل على مبدئين واضحين؛ دفع الظلم بقدر الاستطاعة، والوقوف مع من يقع عليه الظلم. فالشريعة لا تجعل السلامة الشخصية مبرراً للتعامل مع الصراعات وكأنها نزاعات متكافئة بين أطراف متساوية في المسؤولية، بل توجب على المسلم أن يميز بين الظالم والمظلوم وأن يقف إلى جانب الحق بقدر ما يستطيع.
والتجربة التاريخية تدل على أن القوى الظالمة تميل غالباً إلى التقارب والتحالف حين تلتقي مصالحها، ولذلك نادراً ما ينشأ صراع طويل بين أطراف تسير جميعها في الاتجاه نفسه، وحين يشتد الاستقطاب وتتعاظم المواجهة فإنّ ذلك يكون في الغالب دليلاً على أن الحق يقف مع جهة، وأن الباطل يتموضع في الجهة المقابلة.
وقد أشار القرآن إلى صراع الروم والفرس في قوله تعالى “الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون”. وكان ذلك الصراع بين قوتين غير مسلمتين، ومع ذلك فقد فرح المسلمون بانتصار الروم لأنهم كانوا أقرب إليهم في الاعتقاد من المجوس، وفي هذا دلالة على أنّ الإنسان الذي لا زال على الفطرة يميل بطبيعته إلى الجهة التي يراها أقرب إلى الحق.
وعند التأمل في الهدي النبوي يظهر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُعرف عنه أنه وصف المسلمين بالظلم في خضم الصراعات، ولا أنه وقف في صف الكفار ضد طرف من المسلمين، بل كان يحفظ رابطة الإيمان ويصون حرمة المسلم. وحتى في المواقف التي ظهر فيها النفاق داخل المجتمع، آثر النبي صلى الله عليه وسلم حفظ وحدة الصف، حتى قال حين طُلب منه قتل بعض المنافقين: “لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه”.
كما أن رابطة الإيمان في الإسلام تقوم على الولاية والتناصر بين المسلمين، كما قال الله تعالى “والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض”. وهذه الرابطة تقتضي الوقوف مع أهل الإيمان في مواجهة العدوان، ولذلك لا يصح أن تدفع الخلافات المذهبية أو السياسية إلى تصوير الصراع وكأنه مواجهة بين طرفين متساويين في الحكم.
وفي القضايا الأخلاقية الكبرى لا يكون الوقوف في منطقة الحياد موقفاً بريئاً دائماً، بل قد يتحول إلى غطاء يتيح للظلم أن يتمدد دون مقاومة. وقد عبّر مارتن لوثر كينغ عن هذا المعنى بقوله “أسوأ مكان في الجحيم محجوز لأولئك الذين يقفون موقف الحياد في القضايا الأخلاقية العظيمة”.
ويؤكد القرآن كذلك خطورة هذا المسلك بقوله تعالى “ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار”. فالركون إلى الظالم قد يظهر في صورة صمت أو تبرير أو مساواة بين أطراف مختلفة المواقع في الصراع.
ولهذا فإن الواجب في مثل هذه القضايا الكبرى أن يتحرى المسلم العدل والصدق في الحكم على الوقائع، وأن يميز بين الحق والباطل، وأن يبتعد عن إطلاق الأحكام التي تضع الجميع في كفة واحدة. فالعدل يقتضي تسمية الأشياء بأسمائها، والولاء في الإسلام يقوم على نصرة الحق وإقامة العدل، لا على الوقوف في منطقة رمادية يتوارى فيها الموقف الحقيقي خلف ألفاظ تبدو في ظاهرها حياداً وإنصافاً.



