الأحد: 15 مارس 2026م - العدد رقم 2855
مقالات صحفية

تهتزّ النوافذ … وتتماسك القلوب

د. رقية الفوري

صوتُ انفجارٍ بعيد، وصفّاراتُ إنذارٍ تشقّ سكون الليل، وأضواءٌ متقطّعة في السماء. النوافذ تهتزّ كأنها تشارك القلوب ارتجافها.

أكتب هذه الكلمات وأنا أنقل تجربة عشتها بنفسي خلال وجودي في الكويت في هذه الفترة؛ حين كنت أسمع صفّارات الإنذار تخترق الليل، ويتردد دويّ الانفجارات في الأفق البعيد، فتتحرك النوافذ ويصمت المكان لحظات وكأن الجميع يصغي لما يحدث خارج الجدران.

في مثل هذه اللحظات يتغيّر إيقاع الحياة.
الدقائق تصبح أطول، والأصوات أعلى، والإنسان أكثر انتباهًا لكل حركةٍ ولكل همسة.

في إحدى الشقق، كانت أمّ تضم طفلها الصغير بعد أن أفزعه دويّ انفجارٍ بعيد. رفع عينيه إليها ببراءة وسأل:
“ماما… ليش النوافذ تتحرك؟”

نظرت إليه… وفي قلبها خوفٌ يشبه خوفه، لكنها ابتسمت وربّتت على رأسه وقالت:
“الريح تلعب معها… لا تخف، نحن بخير.”

لم تكن تلك الكلمات تفسيرًا علميًا لما يحدث…
كانت حمايةً للقلب الصغير من خوفٍ أكبر من عمره، ومحاولة أمٍ أن تبني لطفلها عالمًا آمنًا، وإن كان الخارج مضطربًا.

وفي الممرّ القريب، خرج جارٌ مسنّ بعدما أقلقته الأصوات. طرق أبواب الجيران واحدًا تلو الآخر يسألهم:
“هل أنتم بخير؟ هل تحتاجون شيئًا؟”

كانت طرقاته على الأبواب بسيطة… لكنها كانت تقول شيئًا عظيمًا:
لسنا وحدنا.

يتقارب الناس أكثر، ويصبح السؤال عن الآخر نوعًا من الطمأنينة، ونوعًا من الحماية، ونوعًا من المحبة الصادقة التي تظهر في الأوقات الصعبة.

وفي خضم تلك الليلة، وصلتني رسائل كثيرة واتصالات من أصدقاء وأقارب ومعارف. بعضهم يعيش القلق ذاته، وربما الخوف نفسه على نفسه وأهله… ومع ذلك لم ينسَ أن يسأل، وأن يطمئن، وأن يعرض المساعدة بصدق.

وهنا شعرت بمعنى جميل نعيشه نحن أبناء الخليج.

نحن شعوب قد تختلف الجغرافيا بيننا، لكن القلوب متصلة بخيطٍ من الأخوّة لا ينقطع.
من عُمان إلى الكويت، ومن السعودية إلى الإمارات، ومن قطر إلى البحرين…
حين تقلق مدينة، تشعر بها مدن أخرى.
وحين تهتز نافذة في بيت، ترتجف لها قلوب كثيرة.

إنها رابطة لا تُكتب في المعاهدات… بل تعيش في القلوب.
في تلك الليلة تحديدًا، كان للكويت حضورٌ خاص في المشهد.
الكويت… بلد الإنسانية.
بلدٌ تعوّد أن يمدّ يده للآخرين قبل أن يُسأل، وأن يفتح قلبه قبل بابه.
وفي تلك الليلة رأيت المعنى الحقيقي لما تعنيه الإنسانية الكويتية:
السؤال الصادق، المبادرة بالمساعدة، والحرص على طمأنينة الآخرين.
الأوطان العظيمة لا تُقاس بمساحتها، بل بقلوب أهلها.

ووسط ليلةٍ مضطربة، اكتشفت أن الخوف قد يجمع القلوب أكثر مما تفرّقها الأيام العادية.

فقد تمرّ ليالٍ تهتزّ فيها النوافذ…
لكن القلوب حين تتماسك، يولد من القلق فجرٌ أكثر طمأنينة.

إنّ الأوطان قد تمرّ بلحظات قلق، وقد تعبر في سمائها أصواتٌ تربك الليل، لكن ما يبقى ثابتًا هو الإنسان حين يقف إلى جانب أخيه الإنسان. فالأمن الحقيقي لا تصنعه الجدران ولا النوافذ، بل تصنعه القلوب حين تتكاتف، والكلمات حين تُقال بصدق، والأيدي حين تمتدّ بالمساندة.

في الخليج تربطنا وحدة المصير، وتتشابه بينا العادات والتقاليد وكاننا بيت كبير متلاحم الأواصر رغم ترامي الأطراف.

نسأل الله أن يحفظ خليجنا وأوطاننا العربية والإسلامية، وأن يديم علينا نعمة الأمن والترابط، وأن تبقى هذه الأرض الطيبة مثالًا للإنسانية التي تضيء حتى في أحلك الليالي.
كل الشكر والتقدير للسفاره العُمانية في دولة الكويت، و في المملكة العربية السعودية، و في باقي دول الخليج على ما بذلوه من جهود صادقة واهتمام كبير لتسهيل عودتنا إلى أرض الوطن. فقد لمسنا منهم حرصًا حقيقيًا ومتابعة مستمرة، وعملًا دؤوبًا لتيسير الإجراءات وتذليل الصعوبات في هذه الظروف.
إن هذه المواقف النبيلة تجسّد الدور الإنساني والوطني الذي تقوم به سفارات السلطنة في رعاية أبنائها والوقوف إلى جانبهم أينما كانوا. فجزاهم الله خير الجزاء، وحفظ الله عُمان قيادةً وشعبًا، وأدام عليها نعمة الأمن والأمان.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights