الجمعة: 27 فبراير 2026م - العدد رقم 2839
مقالات صحفية

الاستقرار التشريعي هو أول استثمار في الاقتصاد

بين استقرار التشريع وجاذبية الاستثمار… قراءة في بيئة العمل العمانية

علي بن مبارك بن خلفان اليعربي

الاقتصاد المعاصر لا يقيس جاذبية الدول بكثرة الامتيازات، بقدر ما يقيسها بدرجة الوضوح والاستقرار. المستثمر يبحث أولا عن بيئة مفهومة المعالم، مستقرة القواعد، واضحة الإجراءات. القانون المتغير باستمرار، حتى لو كان بقصد التطوير، قد يتحول في نظر المستثمر إلى مصدر قلق بدلا من أن يكون مساحة أمان.

تتردد في الآونة الأخيرة ملاحظات من بعض رواد الأعمال حول تعقيد الإجراءات وتسارع التعديلات المرتبطة بسوق العمل والتجارة. صحة كل تجربة فردية ليست هي القضية هنا، وإنما الرسالة التي تحملها تلك الانطباعات. فالانطباع المتكرر يصبح مؤشرا يستحق التوقف والتأمل.

المشكلة لا تكمن في تحديث القوانين، فالتحديث ضرورة اقتصادية. وتنظيم سوق العمل أيضا حق سيادي وواجب تنظيمي لحماية المصلحة العامة. موضع الإشكال يظهر عندما تتسارع التعديلات دون فترات انتقالية كافية، أو حين تصدر القرارات دون شرح واف يرافقها، أو عندما يغيب التواصل المباشر مع المستثمر الجديد الذي يحاول فهم المشهد.

الاستثمار بطبيعته مخاطرة محسوبة. وضوح الأنظمة يقلل تلك المخاطرة، أما ضبابية الإجراءات فترفع كلفتها النفسية والمالية. الاستقرار التشريعي لا يعني الجمود، بل يعني أن يكون التطوير مدروسا ومتدرجا ومعلنا بآليات واضحة تضمن الفهم قبل التطبيق.

البيئة الجاذبة للاستثمار تقوم على مرتكزات عملية واضحة، أهمها إصدار أدلة تفسيرية مبسطة لأي تعديل جديد، ومنح مهلة زمنية كافية لتطبيق التغييرات، وتخصيص مكاتب دعم ترافق المستثمر خطوة بخطوة، وإشراك ممثلين عن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة عند مراجعة الأنظمة قبل اعتمادها.

تمكين الكفاءات العمانية هدف وطني لا يختلف عليه اثنان. تحقيق هذا الهدف لا يتعارض مع استقطاب المستثمر الجاد، بل يتكامل معه. الشراكة المتوازنة بين الخبرة الوطنية ورأس المال والاستثمار الخارجي تصنع اقتصادا أكثر قوة واستدامة. السؤال الحقيقي ليس من نختار، بل كيف نجعل الاستثمار أداة لتمكين المواطن وتعزيز قدراته.

النقد المسؤول لا يعني التقليل من الجهد، كما أن الدفاع المطلق لا يصنع إصلاحا. الوطن القوي هو الذي يحول الملاحظات إلى فرص تطوير. كل تجربة إيجابية تصنع سفيرا جديدا لعمان، وكل تجربة سلبية قد تتسع دائرتها إن لم تجد من يصغي إليها.

المرحلة لم تعد تحتمل التردد بين التطوير والتجريب. الاقتصاد لا ينتظر كثيرا، ورأس المال لا يجامل، والمستثمر لا يبني قراراته على الوعود بل على وضوح الأنظمة واستقرارها. كثرة التعديلات دون رؤية تواصلية واضحة قد تفهم على أنها حيوية تنظيمية، لكنها قد تقرأ أيضا على أنها ارتباك تشريعي يربك السوق ويضعف الثقة.

المطلوب اليوم ليس مزيدا من القرارات، بل مزيدا من الاتساق. ليس مزيدا من التعديلات، بل مزيدا من الاستقرار المدروس. البيئة الاستثمارية لا تقاس بعدد القوانين الصادرة، بل بقدرة تلك القوانين على الصمود زمنيا، ووضوحها عند التطبيق، وعدالتها في الميزان بين مصلحة الوطن وجاذبية السوق.

الإصلاح الحقيقي يبدأ من سؤال صريح: هل أنظمتنا تسهل على المستثمر أن يبدأ، أم تختبر قدرته على الصبر؟ وهل يشعر صاحب المشروع أنه شريك في التنمية، أم متلق لتغييرات متلاحقة؟

الاقتصاد الوطني مسؤولية جماعية، لكن صياغة التشريع مسؤولية مضاعفة. حين يكون القرار واضحا، تصبح الرسالة أقوى من أي حملة ترويجية. وحين يستقر النظام، يتحول الوطن إلى بيئة جاذبة بطبيعته لا بشعاراته.

الاستقرار التشريعي ليس مطلب مستثمر فحسب، بل هو أول استثمار حقيقي في قوة الاقتصاد الوطني.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights