الأربعاء: 11 مارس 2026م - العدد رقم 2851
مقالات صحفية

الصناعة الذكية في سلطنة عُمان : من كثافة الأيدي إلى قيمة العقول

د. رقية بنت عديم الفوري

يشهد العالم اليوم تحولًا جذريًا في مفهوم الصناعة، حيث لم تعد القوة الإنتاجية تقاس بعدد الأيدي العاملة، بل بقدرة العقول على تصميم الأنظمة، وبرمجة الآلات، وإدارة التقنيات الذكية. وفي هذا السياق يبرز سؤال جوهري في الساحة العُمانية:
هل نحن مستعدون للاستثمار في صناعات لا تعتمد على البشر إلا بقدر عقولهم، بينما تتولى الآلات المبرمجة عمليات التصنيع بالكامل؟

في التجارب العالمية، أثبتت المصانع المعتمدة على الأتمتة والروبوتات الصناعية قدرتها على مضاعفة الإنتاج مع تقليل التكاليف التشغيلية والاعتماد على العمالة الكثيفة، دون المساس بالجودة، بل برفعها. والأهم من ذلك، أنها ساهمت في تحويل التوظيف من وظائف تشغيلية محدودة القيمة إلى وظائف نوعية عالية المهارة في الهندسة، والبرمجة، والصيانة الذكية، والتحليل الصناعي.

كما برزت الصناعات الدوائية والغذائية الذكية كنموذج ناجح للاستثمار عالي التقنية، حيث تعتمد على أنظمة تحكم رقمية دقيقة لضبط الجودة. هذه النماذج لم تُلغِ فرص العمل، بل أعادت صياغتها، فبدل عشرات الوظائف الروتينية، نشأت فرص مستدامة للشباب المؤهل في تخصصات علمية وتقنية، قادرة على النمو والتطور الوظيفي.

ومن النماذج اللافتة أيضًا الطباعة الصناعية ثلاثية الأبعاد، التي حوّلت ورشًا صغيرة إلى وحدات تصنيع متقدمة، تعتمد على عقول هندسية محدودة العدد لكنها عالية التأثير.
وهنا يبرز البعد الاجتماعي والاقتصادي المهم: حل جذري لمعضلة التوظيف القائم على الكم، والانتقال إلى التوظيف القائم على الكفاءة.

كذلك أثبتت مراكز التصنيع الذكي المساندة للصناعات الكبرى نجاحها في تقليل الاستقدام الخارجي، من خلال توفير وظائف نوعية مستقرة بعقود طويلة الأجل، تعتمد على المعرفة والخبرة المحلية، لا على الأيدي العاملة غير المتخصصة.
وبذلك تصبح الصناعة الذكية أداة لتوطين الوظائف النوعية بدل استنزافها.

هذه النماذج ليست بعيدة عن الواقع العُماني، بل تمثل فرصة حقيقية لمعالجة أحد أكبر التحديات الاقتصادية والاجتماعية، وهو تحدي التوظيف. فبدل خلق آلاف الوظائف التشغيلية محدودة الاستدامة، يمكن خلق مئات الوظائف النوعية ذات الأثر العالي والدخل المجزي، والقابلة للنمو.

ويمكن لسلطنة عُمان توظيف هذا التوجه في مجالات متعددة، مثل:
• تصنيع قطع صناعية بديلة للمستوردة
• إنتاج معدات صغيرة للطاقة المتجددة
• تطوير تقنيات زراعية ذكية
• إنشاء مصانع متخصصة للتصدير الخليجي والإقليمي

غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في رأس المال وحده، بل في الاستثمار في الإنسان القادر على صناعة الآلة. فكل ريال يُستثمر في تدريب وتأهيل العقل الوطني، يخفف الضغط عن سوق العمل، ويحوّل الباحث عن وظيفة إلى صانع فرصة.

إن الصناعة الذكية ليست مخاطرة، بل حل متوازن بين متطلبات النمو الاقتصادي وتحديات التوظيف. فهي تقلل الاعتماد على العمالة الكثيفة، وتفتح في المقابل مسارات مهنية جديدة أكثر استقرارًا وملاءمة لمستقبل الشباب العُماني.
إن الاستثمار في الصناعة الذكية هو استثمار في اقتصاد أكثر كفاءة، وسوق عمل أكثر توازنًا، ومستقبل مهني أكثر جودة. اليوم، الفرصة سانحة لبناء نموذج صناعي يحقق النمو دون تضخم في التوظيف، ويخلق وظائف دون استنزاف الموارد.

إلى المستثمر العُماني نقول:
أنتم لا تستثمرون في آلة، بل تساهمون في حل وطني طويل الأمد لمشكلة التوظيف، وبناء جيل يعمل بعقله، ويقود بالتقنية، وينافس عالميًا..

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights