يا محقِّقَ التراث .. أقبلْ أو أقصِرْ
كريم إبراهيم
منهج أهل العِلْم والخشية أن يحفظوا للعلماء أقدارهم العالية ومكانتهم السامية وكفاحهم العلمي الكبير، فهذه كتبهم وحقوقهم الفكرية، وإن سمح لك بتحقيقها؛ لعدم وجود المطالب، ونحن غايةُ أمرنا معها أن نخرجها في حلةٍ زاهية وثوب قشيبٍ صوابَ نصٍّ وحُسْنَ عرضٍ. أمَّا أن نخطئهم في تقريراتهم وأحكامهم، وقد عَلِمْنا أنهم علماء أئمَّة فهذا ما لا يُقْدمُ عليه إلا جريء، أمَّا الخطأ الذي هو الخطأ فيصوَّب في الحاشية. وأرجو الله تعالى ألَّا أبتلى بمن يفهم كلامي هذا فهما خاصا بقدراته العقلية لا يُقره عليه أهل العلم المعتبرون، وخبراء صناعة التحقيق، أو أن أبتلى برجلٍ لم يفهم كلامي أصلًا ثم يردُّ ردًّا لا يرتضيه عاقلٌ.
فإنَّا والله نرى عجائبَ من بعض مدَّعي التحقيق، يستدركون على الأئمة ما لا يستدرك، والحقُّ أنهم يردون على أهل العلم بكلامِ غيرهم لا بكلامٍ من قرائحهم. فما معنى أن يكونَ ديدنُ أقوامٍ أن يردوا على عالمٍ بكلامِ عالمٍ آخرَ. سبحان الله تُحَقِّق كتابه وتأخذ جاهًا ومالًا بعِلمه الذي لولاه ما حقَّقتَ، وتُخطئه فيما لم يخطئ، أخي كتاب الرجل المتوفى أعز من بيته والحالة هذه، أتدخل بيوت الناس وتعدِّل عليهم أذواقهم واختياراتهم التي لا تخالف كتابًا ولا سنة، من أنتَ حتى تستدرك على ابن عساكر والنووي وابن حجر والعيني والقسطلاني والمناوي.
الخطب جلل والمصاب عظيم.
هذا، والاستدراك شيءٌ، وظاهرة التزيُّد ونفخ الكتاب بنقولاتٍ منسوخةٍ من الشاملةِ ربما كما هي، أو باستطراداتٍ لا قيمة لها ولا داعي إليها؛ شيء آخر. المؤلِّف يستدلَّ بحديثٍ ثابتٍ عنده، فإذا بالمحقِّقِ الشامليِّ الوُرْدِيِّ البي دي إفيِّ (نسبة للشاملة والوورد والبي دي إف) يخرِّجه في صفحاتٍ ويحشد أقوال المصححين والمضعفين على مدار قرونٍ. إن أردت هذا يا أخي فصنِّف لنا كتابَ تخريجٍ للكتاب الذي تُريد، كما فعل العلماءُ، ليس معنى أن المؤلِّف ماتَ أن تفعل ما تسوِّله لك ثقافتك القاصرة وتدعوك إليه نفسك المقصِّرة.. هذا الكتاب الذي تحققه، إمَّا أن تخرجه كما أراد مؤلفه أو تكفي المسلمين إخراجه مشوها.
ويطيب لي هنا أن أُشيد إشادةً عليا وأثني ثناءً باذخا على دُرَّة الدور وتاج الناشرين دار المنهاج الميمونة المباركة، تلك الدار الشامخة التي لا أظن عاقلًا يحقِّق كتابا حققته إلَّا أن يكونَ من أصحاب خوارق العادات. وأسأل الله تعالى أن يثبت هذه الدار، وأن يكثر في الأمة من أمثالها. فقد كفَّت ووفَّت، وتطولت على أمة سيدنا ومولانا رسول الله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم. وطريقتها نبراسٌ أشاد به أولو النُّهى وأثنى عليه أصحابُ العقول الواعية. وَدَعْ عنك كلَّ كلامٍ وأيَّ قائلٍ يصد عن سبيل الله بغير هدى من الله. وما أكثرَ الذين ينكرون المعروف ويردون الحقَّ ويشوهون الصواب، ولو فكَّروا ما أنكروا، ولو سكتوا إذا لم يعلموا لكان خيرًا لهم وأقوم، ورحم الله من قال: «لو سكت من لا يعلم لسقط الخلاف»، و«العلم نقطة كثرها الجاهلون»، و«الجاهلون لأهل العلم أعداء».
وقد ابتليت الأمة في فترات عديدة من تاريخها بأناسٍ شأنهم التعصب وديدنهم الانقياد لأقوالٍ زخرفت لهم بسبلٍ عديدةٍ وطرائق شتى. ولا غرو ولا عجب فالعامِّي من العمى، ولذلك فإن أهل العلم إنما يحرصون على المنصفين، ولا يبالون بغيرهم. وإنما يكتب أحدُنا مثل هذه الكلمات لعل أذنا واعية تعي وقلبًا سليما يتلقى. والله الموعد وإليه المرجع، وهو المسؤول أن ينير دروبنا كلها، وأن يهدينا والمسلمين.



