الأحد: 08 مارس 2026م - العدد رقم 2848
مقالات صحفية

اتخذوا هذا القرآن مهجوراً

    صالح بن ناصر المحروقي

“وقال الرسول يا ربِّ إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً”، آيةٌ وحيدة خُصّ بها النبي ﷺ بشكوى رفعها إلى ربّه، فلم يشكُ أذى، ولا تعبَ طريق، ولا كثرة خصوم، بل كانت شكواه الكبرى أنّ القرآن يُهجر، وأنّ الهدى الذي أُنزل للناس، يُعرض عنه أهله، وكأنّه لم يكنْ بين أيديهم نورٌ ولا كتابٌ منير.

وهذا الهجرُ لا يقتصر على قومٍ مضوا، بل يتكرّر في كل عصرٍ يُرفع فيه صوت التلاوة، ويُنسى أثر الهداية، حيث يُتلى القرآن في المحاريب والمنابر، ثم تُدار الحياة بعيداً عن نوره وأوامره، ويظلّ حبيس المصاحف المذهّبة، بلا حاكمية على الأقوال والأفعال.

إنّ أول مراتب الهجر للقرآن الكريم، أن يُعرض الإنسان عنه فلا يتلوه، ولا يُصغي إليه، ولا يربط قلبه به، والثانية أن يقرأه دون أن يتدبر معانيه، كأنّما يُمرّر عينيه على حروفٍ صمّاء، والثالثةُ أن يتدبره ولا يعمل به، فيظلّ الفهم في الرأس، ولا يسري إلى اليد والقلب والسلوك، وهذه كلها درجاتٌ من القطيعة بين الإنسان والكتاب المبين.

ثمّ هناك ضربٌ أعمقُ من الهجر للقرآن، حين ينزع الناس مرجعيته من حياتهم، فيتحدّثون عنه دون أن يحكّموه، ويُبجلونه في المناسبات، ثم يُقصونه عن السياسات، كأنّه كتاب للبركة فقط، بينما هو في حقيقته دستورُ حياة، وميزانُ عدلٍ، وهدايةٌ للناس أجمعين.

والمجتمعات تهجر القرآن حين تنقلب الموازين فيها، فيُرجّح فيها ميزان العادة على ميزان الشريعة، وتُسترضى الأعراف بدل أن يُتّبع الحق، ويُقدّم ما يُرضي الناس على ما يُرضي الله، فيذوب صوت الوحي في ضجيج التقليد والهوى.

وتتجلّى هذه القطيعة كذلك في الاقتصاد، حين يُقصى العدل الربّاني، وتُستبدل به أنظمةٌ جافة، مستوردة من فلسفاتٍ لا تؤمن لا بالزكاة ولا بالبركة، ولا ترى في المال إلا وسيلةً للربح.

وكذلك يُهجر القرآن في التعليم، حين يُفصل عن الهداية، ويُختزل في تلقينٍ ماديٍّ لا يزكّي النفس، ولا يُنمّي الوعي، فتفقد المعرفة معناها، ويغيب عن المتعلم إدراك الغاية من العلم، إذ أراد القرآن الكريم أن يكون التعليم طريقاً لهداية الإنسان.

وقد يُهجر القرآن من الأنظمة الحاكمة، حين تستند في تشريعاتها إلى قوانين لا تستقي من نور الله، فإذا غابت العدالة، وغابت الأمانة، غاب القرآن، وإن ظلّت آياته تتلى في المحافل، لأنّ موضع القرآن الأعظم هو في إقامة الحق وليس في ترداد الحروف.

وتهجر الأمةُ القرآن حين تنسى دورها، وتذوب في غيرها، وتُقلد من لا يحمل قيمها، ولا يؤمن برسالتها، فيتراجع دورها الحضاريّ، ويغيب عنها وعي الشهادة على الناس، وتُصبح أمة بلا بوصلة.

وقد عبّر علي عزّت بيجوفيتش عن هذا المعنى فقال: “القرآن حياةٌ بذاتها، لا مجرد أدب؛ والإسلام طريقٌ للعيش، لا مجرد فكرة؛ والتفسير الحقيقي للقرآن هو الحياة نفسها”، وهي عبارةٌ تضعُ اليد على موضع الداء، إذ تُنبّه إلى أنّ المشكلة ليست في غياب التلاوة، بل في غياب الترجمة العملية لمعاني القرآن في واقع الأمة.

إنّ الرجوع إلى القرآن ليس عودةً إلى الوراء، بل عودةٌ إلى الأصل، إلى ذلك النبع الأول الذي لا يعكّره الزمان، ولا تفسده المناهج، فإذا ما عاد القرآن إلى القلوب والعقول، عاد العدل، وعادت الطمأنينة، وإذا غاب، اضطربت الحياة، وعمّ الظلام.

ومن صَدق في اتباع القرآن الكريم، أقامَ الله به قلبه، ونوّر له طريقه، في زمنّ تشتّتت فيه السبل، فلم يعد أمامنا من مخرج، إلا أن نعود إلى هذا الكتاب العظيم، لا كموروثٍ ثقافي، بل ككتابٍ يُحيي القلوب، ويُنير العقول، ويهدي إلى سواء السبيل.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights