تهنئة
الأحد: 07 يونيو 2026م - العدد رقم 2939
مقالات صحفية

الظلم وعاقبته ..

   سعيد بن ناصر السعيدي

الظلمُ داءٌ إذا استشرى في القلوب أفقدها إنسانيتها، وأحالها إلى أرضٍ يابسةٍ لا تُنبت عدلًا ولا رحمةً، هو جرحُ الأرواح، وسرُّ انهيار الأمم، وسببُ فساد القلوب وضياع الحقوق وزعزعة المجتمعات. فالظلم ليس مجرّد فعلٍ سيّئ، بل هو وضعُ الشيء في غير موضعه، واعتداءُ المرء على ما لا يحقّ له، وحرمانُ الآخرين من حقوقٍ وهبها الله لهم. وقد نهى الله تعالى عنه في كتابه الكريم فقال (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ) [إبراهيم: 42]، وفي الحديث الشريف يقول النبي ﷺ “اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة”-[رواه مسلم]. فما من شيءٍ أبغض إلى الله من أن يتسلّط إنسانٌ على إنسان، أو أن تُداس كرامةُ عبدٍ تحت أقدام الهوى والجهل والاستكبار.

يتجلّى الظلم في ثلاثة وجوه، كلٌّ منها يحمل قبحه وأثره الوجه الأول ظلمُ العبد لربّه، وهو أعظم الظلم وأشدّه خطرًا، كالشرك بالله، وجعل الندّ له في العبادة والطاعة، أما الوجه الثاني، فهو الظلم بين الناس، حين يمدّ الإنسان يده أو لسانه على غيره، فيأخذ ما لا يحقّ له، أو يطعن في عرضٍ، أو يسيء بقولٍ أو فعل، والوجه الثالث ظلمُ المرء لنفسه، حين يعصي ربَّه، ويترك أوامرَه، ويسير في دروب المعاصي التي تورد الهلاك في الدنيا والآخرة.

الظلمُ نارٌ إذا اشتعلت أحرقت صاحبها قبل أن تمتدّ إلى غيره، وله آثارٌ مدمّرة على الأفراد والمجتمعات، من تلك الآثار زوال البركة والنِّعَم، فالظلم يجلب سخط الله، ويُغلق أبواب الخير في وجه صاحبه. ومنها تفكّك المجتمع، إذ يزرع الحقد والبغضاء في القلوب، ويُضعف الثقة بين الناس حتى تغدو الحياة جافةً خاليةً من المودّة، وأما عن العقوبة الإلهية، فالظالم قد يُمهَل، لكنه لا يُهمَل، وسنّة الله في خلقه أن يأخذ الحقّ للمظلوم ولو بعد حين، قال رسول الله ﷺ: ” اتقِ دعوةَ المظلوم، فإنها ليس بينها وبين الله حجاب” [رواه البخاري]، ولذلك لا يموت الظالم حتى يُؤخذ منه الحق، وينصر الله المظلوم ولو بعد حين، كما ورد في الحديث القدسي “وعزّتي وجلالي لأنصرنّك ولو بعد حين”- [أخرجه الترمذي].

الظلمُ طريقٌ مظلم، لا يؤدي إلا إلى الندم والخسارة، ومن أراد النور فليتمسّك بالعدل، فهو ميزان الله في الأرض، وبه تُحفظ الحقوق وتزدهر الأرواح، فلنتجنّب الظلم في القول والعمل، ولنتذكّر دومًا أن المظلوم لا ينام وقلبه موجوع، وأنّ الله لا يردّ دعاءه، تيقّنوا من كلّ أمرٍ قبل الحكم على الناس، فالظلم بابٌ إذا فُتح لم يُغلق إلا بعقوبةٍ من الله، شديدةٍ موجعة، وأما من ظلمني أو آذاني بلسانه أو فعله، فإني لا أطلب منه الاعتذار، بل أترك أمره لربٍّ عادلٍ لا يظلم أحدًا، وأثق أن الله سينصرني على من ظلمني، ولو بعد حين.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights