الإثنين: 16 مارس 2026م - العدد رقم 2856
مقالات صحفية

الكرة المصنوعة من ليف النخيل، والكرة البلاستيكية كانتا رمزًا للتغيير

     سعيد بن خميس الهنداسي

في أوائل السبعينات، كنّا لا نزال نعيش بساطة الحياة في أغلب القرى العمانية، حيث كانت أيامنا تألف الروتين وتتمسك بالعادات وتدور أحداث حياتنا بين البحر والنخيل، واللعب في الطرقات الترابية.

وفي تلك الفترة عاد “حميد”، أكبر أولاد العم “عبدالله” الذكور، من أبوظبي لقضاء الإجازة الدراسية بيننا، لكنه يعود بأفكار جديدة ومفاهيم أكثر تحررا وانفتاحا، استقاها من المجتمع المتجدد في أبوظبي، فقد كان يلبس بطريقة مختلفة ويتحدث بأسلوب فيه ثقة وينظر إلى الأمور بمنظور لا يشبه نظرتنا، كان بالفعل يختلف عنا، كان يشعرنا بالدهشة وأحيانا بالفضول، كنا ننظر إليه بنوع من الإعجاب، فقد أصبح ملهمنا، فوجود “حميد” بيننا في الإجازات لم يكن عاديًا، بل كان نافذة على التغيير، جعلنا نبدأ نفكر خارج الدائرة، حتى لو بصمت، كان “حميد” دون أن يدري، يمثل لنا مرحلة انتقالية بين جيل محافظ يعيش في قلب قرية “الغليل”، وجيل بدأ يرى العالم الأوسع من خلف النخيل والبحر.

وفي أحد الأيام، ونحن نسقي النخيل ونجلس في ظلها، قال “حميد” بحماس: “اليوم بنلعب كرة قدم، بصنع كرة من ليف النخيل”، نظرنا إليه أنا، و “خليفة، وسهيل”، بدهشة؛ حيث لم تكن لدينا كرة حقيقية، لكننا لم نتخيّل أن شيئًا مثل الليف يمكن أن يصبح كرة! قام “حميد” فورًا بجمع كومة من ليف النخيل، وبدأ يضغطها بيديه بحرفنه، ثم لفّها بحبال صغيرة وجعلها كروية الشكل قدر الإمكان. وبعد أن شدّها جيدًا، أمسك بها ورماها على الأرض، ثم ركلها برجله كما يفعل اللاعبون في الملاعب، كنا مذهولين لم نتحرك في البداية، فقط ننظر لبعضنا بعضاً بعيون واسعة. كيف تحوّلت تلك الألياف أو المخلفات التي نستخدمها للتنظيف أو الوقود، إلى كرة نركلها ونركض خلفها؟

انطلق “حميد” يركض خلفها، وصاح بنا: “هيا بنا نلعب!” فتحرّكنا بخجل في البداية، ثم دخلنا جوّ اللعب، ونسينا الزمن. كانت الكرة خفيفة، لكنها كانت بداية، بداية لفرح جديد، ولتجربة لم نكن نحلم بها، تلك اللحظة، لم تكن مجرد لعبة، كانت بذرة وعي جديد، وغرس أول لأفكار خارج ما كنا نعرف. “حميد” بفكرته البسيطة، أدخل علينا فرحًا لا يُنسى، وجعلنا ندرك أن الإبداع قد يولد من أبسط ما حولنا، حتى من ليف نخلة، وبعد أن صنعنا كرة الليف ولعبنا بها لعدة أيام، أصبحت جزءًا من يومنا، وكأنها كنز لا يُقدّر بثمن. كانت خفيفة، وأحيانًا تتفكك من كثرة الركل، فنُعيد ربطها بالحبال ونواصل اللعب.

ثم سافر “حميد” إلى أبوظبي من جديد، لكن المفاجأة كانت عند عودته، عاد وهو يحمل في يده كرة بلاستيكية حقيقية، ذات ألوان، خفيفة وبراقة، لم نرَ مثلها من قبل. كانت بالنسبة لنا شيئًا من عالم آخر كأنها قادمة من مدينة خيالية، لكن تلك الكرة، رغم روعتها، كانت تحتاج إلى الهواء باستمرار، كلما لعبنا بها قليلاً بدأت تفقد قوتها وتترهل، عندها كان “حميد” يأخذ الكرة ويذهب بها إلى منطقة “البداية”، مقر السوق، حيث توجد محلات الإطارات. يدخل بثقة، ويطلب من العامل أن يملأها بالهواء باستخدام ماكينة النفخ، كنا ننتظر عودته بفارغ الصبر. وعندما يعود، تحمل الكرة في يد “حميد” صلابتها من جديد، فنركض خلفها بكل طاقتنا، نلعب ونضحك، حتى تغرب الشمس أو تفرغ الكرة من الهواء.

قمنا بتنظيف المنطقة الشمالية الشرقية من المزرعة، بين عواضد النخيل، حيث كانت الأرض مستوية نسبيًا، وظلال النخل تحفّها من الجوانب. أزلنا مخلفات الأشجار وأعشاب “الرمرام” والحجارة، وسوّينا التراب بأيدينا وأقدامنا، حتى أصبحت ساحة مفتوحة، اعتمدناها ملعبنا الرسمي، لا خطوط ولا مرمى، لكننا كنا نعرف حدودها جيدًا، كنا نضع أعمدة من سعف النخيل كمرمى في كل طرف وننقسم إلى فريقين، ونبدأ اللعب، وفي الغالب فريق “حميد” هو الفائز لأنه الأكبر، كانت أصواتنا تملأ المكان، والكرة سواء من ليف أو بلاستيك تدور بيننا وكأننا نلعب في ملعب حقيقي، ذلك المكان، بين عواضد النخيل، لم يكن مجرد مساحة للعب بل كان مساحتنا الخاصة للحلم، والفرح، والانطلاق.

كانت تلك الكرة المصنوعة من الليف، والكرة البلاستيكية رمزًا صغيرًا للتغيير، رمزًا للانتقال من البساطة إلى شيء أكثر تطورًا، ومن الاعتماد على ما تصنعه يدك، إلى ما يأتيك من بعيد، ومع ذلك، كانت فرحتنا واحدة، سواءً لعبنا بليف نخيل، أو بكرة بلاستيكية، فالفرح كان في القلب، لا في نوع الكرة، شعرنا أن “حميد” لم يكن فقط ابن العم القادم من الخارج، بل كان نافذتنا الصغيرة على عالم مختلف عالم مليء بالأفكار، والمرح، والإبداع حتى من أبسط الأشياء.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights