الثلاثاء: 10 مارس 2026م - العدد رقم 2850
مقالات صحفية

بين ليلتين .. من فجر مكة إلى صرخة غزّة

 عادل بن حميد بن عبدالله الجامعي

الليل في مكة كان يطبق جفونه ببطء، البيوت تستسلم لصمتها، والطرق تنكمش في وداعة الصحراء، لكن بين جدران بيت صغير لبني زهرة كانت هناك أنفاس تلهث، وقلب يرتجف من وجع المخاض. آمنة بنت وهب تمسح دمعة لم تعرف إن كانت من الحزن على عبد الله الذي غاب عنها شابًا، أم من رهبة القادم الذي تشعر أن الكون كله يتقاطع عند نبضه. وضعت يدها على بطنها وأغمضت عينيها، فإذا بوميض داخلي يجعلها ترى ما لا يُرى، كأن رحمها نافذة مفتوحة على أفق لا تحده مكة. لم تدرِ أنّ صرخة وليدها ستزلزل حجارة الكعبة من الداخل، وستكتب للجبال لغة لم تعرفها من قبل.

ارتجّت الأرض بعيدًا عنها، في قصر كسرى تهاوت الشرفات، وفي فارس خمدت النار التي عبدها الناس دهورًا، وفي مكان قصي غاصت بحيرة لم يعرف أحد أنها تتهيأ لليُبس كي تشهد أن الحياة ستنبت من كلمات غلام سيقول بعد عقود: إنما أنا رحمة مهداة. وما إن وضعت وليدها حتى رأَت نورًا يشع منها، نورًا يكشف لها قصور الشام، كأنما يخبرها أن هذا الصغير لن يُحاصر في حدود مكة، بل سيعبر الدنيا كلها. صرخ الطفل، وارتجف التاريخ، صرخة لم تكن خوفًا من الحياة، بل إعلانًا أن الحياة تبدأ من جديد. حمله عبد المطلب إلى الكعبة ودموعه تسيل، وربما لم يخطر بباله أن الغلام الذي بين يديه سيعيد للكعبة معناها الأول، وستعود الحجارة التي صمتت طويلًا لتسبّح من جديد.

وفي تلك اللحظة نفسها، بعيدًا عن مكة بقرون من الزمن، كانت مدينة أخرى تغرق في ظلام مختلف. غزة، المعلّقة بين البحر والحديد، حيث البيوت المهدّمة تشبه الإيوان حين يتهدّم، وحيث النيران التي لا تنطفئ تذكّر بنار المجوس ولكنها نار قصف لا يرحم. في بيت بلا سقف، أمٌّ تنكمش على وجعها، تسمع دويّ الانفجارات حولها، ثم تصغي إلى صرخة وليدها وهو يخرج إلى الدنيا. تشعر أنها وحيدة، محاصرة، كما شعرت آمنة في بيتها الصغير بمكة. ترفع رأسها وسط الركام وتبصر وجهه الصغير، وتهمس في قلبها: بأيّ حياة جئت يا صغيري؟ لكن الركام من حولها كأنما يردّد: جئت لتصرخ صرخة النور، كما صرخ من وُلد في مكة يومًا.

الصوت واحد، وإن اختلفت الليلة صرخة سيدي محمد ﷺ في وادٍ غير ذي زرع هزّت أركان الأرض، وصرخة الطفل الغزّاوي تحت الحصار تهزّ جدار اليأس. الأولى كانت بداية رسالة رحمة، والثانية بداية وعد النصر. آمنة رأت نورًا يكشف قصور الشام، وأمّ غزة ترى في وجه طفلها بريقًا صغيرًا يقاوم العتمة. مكة لم تدرك أن الغد تغيّر بتلك الصرخة، وغزة ذي هي تدرك بعد أن الغد يتغيّر بالصرخات ذاتها.

الليلتان تتعانقان، مكة تمدّ يدها إلى غزة، وكأن النور الذي خرج من بيت آمنة يسري في دروب المخيمات والأنقاض. لا فواصل بين القصتين، فكلاهما حكاية واحدة: أن الله يبعث نوره في أشد اللحظات قسوة، وأن كل صرخة وليد تحت الظلم هي وعد جديد بأن الفجر قادم.

صلى الله على سيدي محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم إلى يوم الدين وعنا معهم برحمة الرحمن الرحيم.. ونصر الله غزة العزة، ولعنة الله على الظالمين

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights