الاحتواء أساس الأمان : حاجة الفتاة تبدأ من الأسرة لا من الخارج
د. حمدة حسن
دكتوراه الفلسفة في الصحة النفسية والتربية الخاصة
استشاري العلاقات الأسرية والتربوية
في عالم يموج بالتغيرات والتحديات، تظل الأسرة هي الحاضن الأول، والمصدر الأهم للشعور بالأمان النفسي والانتماء، لاسيما بالنسبة للفتاة التي تنمو بين جدران بيتها، باحثة عن التقدير، والقبول، والحب غير المشروط. فالاحتواء ليس رفاهية، بل هو حاجة نفسية أساسية تنضج بها الشخصية وتستقر بها الهوية، وتُبنى على أساسها جميع العلاقات في مستقبلها.
**ما المقصود بالاحتواء؟**
الاحتواء هو أن يشعر الإنسان، لا سيما الطفل أو الفتاة، أن هناك من يفهمه ويشعر به دون أن يُدينه، من يطمئنه إذا خاف، ويصدقه إذا تكلم، ويحتويه إذا أخطأ. هو مزيج من القبول، والتفهم، والدعم، والاحترام، يمنح شعورًا بالطمأنينة و”الأمان العاطفي” الذي تحتاجه الفتاة كي تنمو بثقة في نفسها وفي الآخرين.
**الفتاة واحتياجها العاطفي من الأسرة**
الفتيات في مراحل الطفولة والمراهقة وحتى بدايات النضج، يحتجن إلى احتواء عاطفي مضاعف، يتمثل في:
– كلمات التقدير والتشجيع.
– حضن الأم والأب في لحظات الانكسار والفرح.
– إنصات حقيقي لمشاعرها دون سخرية أو تقليل.
– احترام تفكيرها، ومرافقتها في قراراتها دون فرض أو قمع.
غياب هذا الاحتواء يجعلها تبحث عنه في أماكن أخرى، قد تكون غير آمنة، أو غير ناضجة، وقد تقودها إلى علاقات مؤذية فقط لتشعر بأنها مهمة، أو مسموعة، أو محبوبة.
**عندما يغيب الاحتواء.. أين تذهب الفتاة؟**
حين لا تجد الفتاة في أسرتها من يحتضن مخاوفها وتساؤلاتها، قد تنزلق إلى:
– البحث عن الاهتمام في الصداقات السطحية أو العلاقات غير السليمة.
– القابلية للتأثر بأي كلمة إعجاب من أي غريب.
– فقدان الثقة بالنفس أو الميل إلى العزلة والانطواء.
– ضعف الهوية وتشتت الانتماء.
**كيف نوفر لفتياتنا الأمان والاحتواء داخل الأسرة؟**
1. **الحوار اليومي:** اجعل الحديث مع ابنتك عادة لا استثناء، واسمح لها بأن تتحدث دون خوف من اللوم.
2. **التقدير والقبول:** امدح جهودها، وأشعرها بأنها قيمة ومحبوبة حتى عندما تخطئ.
3. **الاحتضان الجسدي والعاطفي:** لا تستهن بأثر حضن بسيط أو كلمة “أنا فخور بكِ”.
4. **وضع حدود آمنة باحترام:** ليس بالقمع، بل بالتربية المبنية على التوجيه والتفاهم.
5. **القدوة:** فالأب الذي يحترم أم أبنائه وأبناءه، والأم التي تُصغي وتتحدث بحكمة، هما أول معلمَيْن للفتاة في كيفية اختيار العلاقات لاحقًا.
**الاحتواء ليس دلالًا.. بل بناء!**
يخلط البعض بين الاحتواء والتساهل، لكن الحقيقة أن الفتاة التي تتلقى احتواءً منضبطًا داخل بيتها، تكون أكثر التزامًا، وأقل انجرافًا خلف الخارج، لأنها ممتلئة شعوريًا، وواعية بذاتها، وتعرف كيف تضع حدودًا بين “من يحبها حقًا” و”من يستغل احتياجها للحب”.
الاحتواء هو جذر الأمان النفسي، ومن دونه، تتعثر الفتاة في فهم ذاتها، وفي اختيار علاقاتها. وما لم تشعر بأنها مهمة ومحبوبة ومقبولة في بيتها، ستظل تبحث عن تلك المشاعر خارجه، وقد لا تجدها أبدًا.
امنحوا بناتكم قلوبكم قبل نصائحكم، واحتضنوا مشاعرهن قبل تقييم سلوكهن، فذلك هو مفتاح النجاة لهن في عالم لا يرحم الاحتياجات غير المشبعة.



