هل تغيرت النظرة الغربية عن العرب لصالح الرواية العربية؟
خولة كامل الكردي
في كتابها “الله ليس كذلك” أفردت الكاتبة والمستشرقة الألمانية زنغريد هونكة الإنجازات العربية المميزة في شتى صنوف و حقول العلم والمعرفة، مفندة بذلك المزاعم الغربية للعديد من علماء الغرب، و الذين نسبوا زوراً و بهتانا كثيراً من الأعمال العلمية و الأدبية العربية لأنفسهم، و قد كانت هونكة من ضمن القلائل من المستشرقين الذين أنصفوا الحضارة العربية الإسلامية، و عرت الأكاذيب التي حفلت بها “المؤلفات و الاكتشافات الغربية”، فهي لم تدخر وسعا لإيضاح الصورة الصحيحة حول الخدمات الجليلة و النادرة التي قدمها العلماء العرب للحضارة الإنسانية و أزاحت الغبار عن النظرة السائدة عن العرب بأنهم “رعاة غنم يعيشون في الصحراء لا يفقهون شيئاً”، أرادت أن تكسر النمط الفكري المهيمن بأن كل ما تراه الشعوب الغربية من علوم و فنون و معارف، كان نتاج جهد حثيث قام به علماؤهم و مفكروهم ما هو إلا درب من دروب الخيال، منتقدة بشدة الإجحاف المتعمد الذي تمارسه أوروبا في التغاضي المقصود عن فضل العرب على المجتمعات البشرية وفي القلب منها الحضارة الغربية ذاتها، و تبدي استغرابها بل غضبها من التهميش و التقليل من شأن ما قدمه و أنجزه العرب و المسلمون للحضارة الإنسانية، يتعدى إلى وصمهم بالتخلف والرجعية من قبل العديد من علماء الغرب، وهم لهم الفضل الكبير على نهضة أوروبا بعد قرون من التخبط والجهل و الضياع، فالعرب هم بمثابة النور الذي حملوه لأوروبا التي كانت غارقة في دهاليز الظلام و إنكار أهمية العلم والمعرفة بل و ملاحقة أصحابه وزجهم بالسجون واتهامهم بالسحر والشعوذة و الحكم عليهم بالقتل.
لقد نقل العلماء المسلمون الكثير من العلوم الإنسانية و العلمية إلى أوروبا من غير تحيز أو أنانية، ولم يجدوا منها سوى النكران و سرقة علومهم ونسبها إلى ما يسمونهم علمائهم و الكثير منهم في حقيقة الأمر محتالين امتهنوا سرقة المخزون العلمي و الأدبي الذي راكمه العرب المسلمون على مدى قرون طويلة. فرغم الأيادي البيضاء للعلماء العرب على نهوض وتنوير الحضارة الغربية، إلا أن إنصافهم من قبل أوروبا لا يعدو سوى حلم بعيد المنال لا يمكن تحقيقه، فعلماء أوروبا في معظمهم ينكرون ما أنجزه المسلمون من حضارة إسلامية عظيمة للغرب، إلا أن المنصفين من علمائهم وهم من القلة الذين أقروا بما قدمه العرب للعالم كله و ليس للحضارة الغربية فقط.
وإذ نحن نرى الظلم و الغبن الذي يتعرض له إخوتنا في غزة، من قتل وتجويع و نزوح و تدمير واستباحة لكل شيء بلا حسيب ولا رقيب و بدعم غربي ظاهر للعيان، بدأت أصوات من الغرب منصفة محبة للسلام و حق الإنسان في العيش بغض النظر عن جنسه أو عرقه في الظهور و رفع الصوت عالياً ضد ممارسات الاحتلال الإسرائيلي بحق الأبرياء في قطاع غزة، وانتقاد حكوماتهم الداعمة للكيان الصهيوني سياسياً و عسكرياً، حتى اتسعت رقعة الاحتجاجات والمظاهرات لتعم مدن و عواصم غربية توصف بأنها داعم قوي و قديم للكيان المحتل الإسرائيلي، وتستمر تلك الاحتجاجات في شوارع أوروبا رفضاً للإبادة الجماعية الحاصلة في غزة، والتي تنفذها قوات الاحتلال الإسرائيلي بحق النساء والأطفال و الشيوخ على مرأى ومسمع من العالم كله، وقد بدا أن جزءًا من المجتمعات الأوروبية أدرك الخطر الذي يهدد منظومة العدالة والإنسانية في المجتمعات البشرية، وإذ نشاهد تحرك ضمائر الأحرار في أرجاء القارة الأوروبية، فهل باتت أوروبا والغرب بصورة عامة على عتبة تغير جذري فكري و وعي جمعي لصالح الرواية العربية والإسلامية بعد قرون من إنكار أسلافهم لفضل العرب والمسلمين على تطور و نمو الحضارة الغربية؟! و هل حان الوقت للاعتراف بأحقية الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، و استعادة حقوقه المشروعة أولها حقه في تقرير مصيره وحق العودة؟..نأمل ذلك!



