الخميس: 12 مارس 2026م - العدد رقم 2852
الخواطر

رسالة من أم لابنها

ثاني بن مبارك الحبسي

تُوفِّيَ والده وهو لم يتعدَ السنتين، لم ينجب والده سواه، فاعتنت أمة بتربيته، كان طفلها الوحيد، وكان بالنسبة لها الابن، والرفيق، والأنيس، وسندها الذي ستعتمد عليه مستقبلاً. وكانت ترى فيه كل أمنياتها في الحياة.

نشأ الطفل وترعرع بين أحضان أُمة حتى كبر وأصبح في ريعان الشباب، أنهى دراسته، فالتحق بالجامعة، ومن ثم حصل على وظيفتة التي كان يحلم بها، وانتهى به الحال إلى أن استقر بعيداً عن أمه نظراً لظروف العمل كما يدّعي.

وما هي إلا سنواتٌ قلائل حتى تزوج وأنجب طفليه اللذين رأى فيهما كل سعادتة، انشغل كثيراً، فلم يعد يرى أُمة إلا ما بين الأسابيع فقط، وبعد كل زيارةٍ لوالدته، تطول مدة غيابه عن المرة السابقة، فأصبحت زياراته لها قليلة، وبين فترات متباعدة، حتى وصل به الحال أنه لا يأتي لزيارتها إلا مرةً كل شهر، ويزيد عن الشهر أحياناً أخرى، وهي فترةٌ صعبةٌ وقاسية بالنسبة لها، ولأي أم ليس لها إلا ولدها الوحيد، ناهيك عن أن تلك الزيارات تكون خاطفة، فلا تكفي لتملأ ناظريها من رؤيته.

تمر أيام الجفاء بطيئةً وقاسية على الأم، وهي تعتصر ألَمَاً وشوقاً لابنها الوحيد، فما كان منها إلا أن قررت أن تكتب له رسالة تعبِّر له فيها عما أصابها من شعورٍ لا يطاق بسبب بُعده عنها، فكتبت له:

ابني الغالي، لا أعلم ما طبيعة ظروف عملك التي أبعدتك عني كل هذا البعد! لكني أتمنى أن تكون على خير ما يرام، وأن تكون بكامل صحتك وعافيتك، وأسأل الله ألا يُريني فيك أي مكروه.

ولدي العزيز، لا أستطيع أن أصف لك كم آلمني غيابك، وكم هي حياتي مظلمة بدونك، فكل شيء لم يعد له قيمة بدونك، ولم يعد للحياة أي طعم أو لذة؛ فقد غابَ من كانت تحلو الحياة بوجوده .

ابني الغالي، رغم انقطاعك الطويل عني، ورغم أني لن أعطيك أي مبرر لهذا الجفاء والبعد؛ إلا أن قلبي لم يطاوعني أن أتلفظ بكلمةٍ تسيء إليك، ولم يطاوعني لساني أن أدعو بدعوة غضبٍ عليك، فقلب الأم يا بُني لم يُخلق ليقسو، وتأكد يا بُني أني لا أضع جنبي على فراشي للنوم إلا وقد استودعتك الله، وأني لا أغمض عيني إلا وقد دعوت الله أن يغمرك بخيره وفضله ولُطفه. فأتعجب يا بني من قسوة قلبك وبعدك و صدك!

ولدي الحبيب، ترى ما الذي غيّرك؟ وما الذي أوصلك لهذا البعد والجفاء؟ هل أشغلتك الحياة لهذا الحد؟ أم أنك رأيت أن حاجتك إليَّ قد انتهت! هل أنسَتكَ مشاغل الحياة أيام طفولتك بين أحضاني؟ أم أن إقبال الحياة عليك بزينتها قد أنساك أن لك أُمَّاً كانت ترى فيك كل أمانيها؟ فهل لك من مُبررٍ على صدِّك؟

بُنيَّ، ألم تحدثك نفسك يوماً أنك قد أخطأت؟ ألم تشعر يوماً بأنك قد قصرت في حقي؟ أم أنك ستنتظر حادثةً ما لتُفيقَكَ من غفلتك؟

ابني الغالي، رغم أني لم أرفع بعد يديَّ إلى الله لأشكو إليه، إلا أن مجرد حزني بسبب هجرك، وألمي بسبب تقصيرك، لأمرٌ كافٍ أن يُسقطك في المحظور، وفي ما نهى الله عنه من عقوق، فأخشى عليك يا بُني أن ينتهي بك الطريق إلى منحدرٍ لا تُحمد عُقباه.

ابني العزيز، لقد توفي والدك وأنت لم تتعد السنتين، وقد تركني وحيدة لأواجه الحياة من أجلك، وكان مقتضى الحال أن أعتني بك حتى يشتد عودك، ثم نتبادل أدوار الاهتمام، فتعتني أنت بي في الكِبَر، فهل تجاهلت ذلك؟

بُنيّ، اعلم أن هذه الحياة فلكٌ يدور، وأن لها قانونا يسير وفق نظام ربَّاني مُحكم، وأن لله كتاباً لا يُغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها. فإياك يا بني أن يخدعك سراب الحياة، أو تلهيك زينتها.

وَلَدي الغالي، ختاماً وقبل أن أنهي رسالتي لك، اعلم أن الله قد رزقك بالذرية، وهذا من فضله عليك، ولكن اعلم يا بني أن كل تقصير منك في حق أُمك سيقابله تقصير أبنائك معك، وتعاملك مع أُمك ستجني حصاده من أبنائك، وهذا دَينٌ لا بد أن يُقضى.

وإن كنت قد غفلت عن هذا يا بُني فانظر حولك وتمعّن في حياة الآخرين، فحتماً سترى قصصاً لأناسٍ أشبه بقصتك، وأحوالاً أشبه بحالك، وكيف آلَ بهم الزمان، فخذ من قصصهم درساً، ومن أحوالهم موعظة، وخذ من الحياةِ عِبرة، وأصلح قبل فوات الأوان.

“مُخلِصَتُك إلى الأبد: ( أُمك )”

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights