شدّ انتباهي ..

عائشة بنت سالم الفارسية
كنا في جلسة عائلية في إحدى الحدائق العامة، نضحك ونتحدث ونمزح.
مرت بجانبنا شابة، ومعها طفل متشبث بملابسها، يبكي بحرقة، وهي تحاول تهدئته، لكنه يرفض كل محاولاتها.
وكعادتي، لا أستطيع أن أرى طفلًا يبكي؛ يتعبني ويصعب عليّ بكاء الأطفال. لم أقاوم، فذهبت إليهم، وأخذت أُلاطف الطفل، وأحاول أن أجعله يبتسم، ولكن دون فائدة.
سألت الأم:
– ما به؟ لماذا هذا البكاء؟
قالت: ابني لا يحب الخروج، ويفضل الجلوس في البيت.
– لماذا؟ ماذا يحب في البيت؟ أو بالأصح، ماذا يفعل؟
– إنه مرض العصر الحديث: الآيباد والأجهزة الإلكترونية.
استغربت وقلت بدهشة:
– ولكن الأجهزة الإلكترونية ليست مرضًا، إلا إذا تم استخدامها بطريقة خاطئة.
فسألتها:
– كم من الوقت يستخدم ابنك الآيباد؟
قالت: ابني أول ما ينهض من النوم، يبحث عن الآيباد، ولا نستطيع أن نبعده عنه.
صار له أكثر من كم شهر وهو على هذا الحال.
في بداية الأمر، كان الموضوع يُفرحنا؛ لأنه يُريحنا من شقاوة الأطفال، وكلما طلب الجهاز أعطيناه إياه.
ولكن الآن، أنا قلقة مما يحدث، فإبني حتى الطعام لا يرضى أن يأكله إلا والآيباد معه.
هنا شعرت بالخوف، وأدركت أن الموضوع في تطوّر.
فقلت لها:
– ماذا فعلتِ بعد ذلك؟
قالت: فكرتُ كثيرًا، وسألت الكثيرين لتفادي هذا الحال، ولأجعل ابني طبيعيًا، يلعب ويركض ويشارك أقرانه من الأطفال، ويبتعد عن الوحدة.
وأخيرًا، نصحتني إحدى الأخوات بأن أذهب إلى شخص مختص، وأخذ المشورة، وأن أتسارع في الأمر قبل أن يتطوّر إلى الأسوأ.
وفعلًا، سمعت نصيحتها، وذهبت، وسمعت كلامًا صادمًا.
قال لي المختص:
“أفضل شيء فعلتِه أنكِ جئتِ إلينا، لأن ابنك لو استمر على هذه الحالة سيتحوّل الأمر إلى مرض وإدمان، ولا بد أن نبدأ بخطة علاج.”
وها أنا أُطبق العلاج، وما زلت في البداية، وهذا البكاء الذي ترينه الآن، سيزول مع الوقت، لأن المختصين طمأنوني، وطلبوا مني أن أُشغل ابني بأشياء أخرى، وأكون قريبة منه، وأشاركه الألعاب الجماعية.
وأنا أُلاحظ تحسّن ابني يومًا بعد يوم، وبإذن الله، سيعود طبيعيًا كما كان.
قلت لها: – بإذن الله.
تركتها وأنا أفكر: هل حقًا الأجهزة الإلكترونية مرض ويجب الانتباه لها؟
نعم، لو أسأنا استخدامها، قد تتحوّل إلى عِلّة تصيب الكبير قبل الصغير.
ولكن الاعتدال في كل شيء يحمينا من ذلك، والوسطية مطلوبة في كل الأمور.
لذا، لا نحرم أبناءنا من الأجهزة الإلكترونية، وفي الوقت ذاته، لا نهملهم ونتركهم معها طوال الوقت.
لا بد أن نمسك العصا من المنتصف.
فالأجهزة لها إيجابياتها وسلبياتها.
اللهم احفظ أبناءنا وأبناءكم.



