الأحد: 15 مارس 2026م - العدد رقم 2855
مقالات صحفية

ظفار..حين تتحدث الطبيعة بلغة الجمال

أسماء بامخالف

في أقصى الجنوب ، حيث تعانق الجبال زرقة السماء وتنام على وسائد الغيم، وتتمدد السهول كأذرعٍ خضراء نحو البحر، وتتنفّس الأرض رحيق المطر، فتعرف كيف تكتب فصولها بالمطر والضباب.
إنها ظفار، الجوهرة التي يكسوها الخريف برداء من النقاء، فيغدو كل حجرٍ فيها حكاية، وكل نسمةٍ من هوائها قصيدة.

يبدأ المشهد وكأنه ولادة جديدة للأرض. تتساقط الأمطار بخفة، والضباب يتسلل من بين الجبال، يهبط على القرى، يلفها بوشاح أبيض يهمس بالسكينة. الوديان تمتد كأحلامٍ راكضة، تحمل في مجاريها ماءً رقراقًا يُعانق الحصى ويعكس وجه السماء.

كل شيء في ظفار يتنفس جمالًا:
الوديان التي تنساب كحكاياتٍ قديمة، والأشجار التي تضن أنها تقف شامخة كالعاشق الصامت، بل تتحدث بلغة لا تفهم إلا بالقلب، وأشجار اللبان، التي صنعت مجد هذه الأرض منذ آلاف السنين، تقف شامخة كحراس الزمن، تنثر عبقها في الهواء، وتروي لزوارها قصة تجارة عبرت البحار، وحضارات تركت بصماتها في صخور الجبال حينها الرذاذ يتسلّل خلسة ليُداعب الوجوه، فيجعل الهواء مُحمّلًا بعطرٍ لا يُشبه سواه.

وعلى سفوح “جبل سمحان”، تتجمع الغيوم وكأنها تغزل ثوبًا من الفضة، يكسو القمم ويهبط إلى بطون الأودية، وعندما تهمس الرياح فوق السفوح أو بين الكهوف تشعر أن الطبيعة تُلقي عليك سِرّها القديم سِرّ الصفاء، والسكينة، والتجدد.

وعندما تسمع موسيقى لا يعزفها سوى الماء على صخورٍ صقلتها القرون. والطيور تحلق فوقك في جماعات، وكأنها تشارك الطبيعة احتفالها بالمطر. فأعلم أنك بين طبيعة “عين رزات” أو “عين جرزيز” فهناك لحظة، إن وقفت فيها وسط كل هذا الجمال، تشعر أن العالم توقف عن الدوران، وأنك صرت جزءًا من لوحة حية.

وعندما نأتي إلى جمال البحر فهو ليس مجرد امتداد أزرق، بل مرآة للمزاج السماوي.
في أيام الخريف، يتخذ لونًا هادئًا، مائلًا إلى الأخضر، وكأنه يعرف أن الأرض خلفه تكتسي بالاخضرار، فيعكس جمالها بصمته الأزلي.

لذلك عزيزي القارئ أقول لك ظفار ليست وجهة سياحية فحسب، إنها رحلة روحية. من يزورها، لا يعود كما كان. شيء في داخلك يتغير: أفكارك تصبح أنقى، قلبك أهدأ، ونبضك أبطأ، وكأن الأرض هناك تعرف كيف تُعيد ترتيب الفوضى في روحك لأنها ليست مجرّد مناظر، بل مشاعر تتجسد.

ولهذا، تبقى ظفار أسطورة الجنوب، ومحراب الطبيعة الذي تُصلّي فيه الغيوم، وتبتهج فيه الأرض، وتكتب فيه الرياح قصائدها الأبدية.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights