ورحلت سريعا أيها المخلص

يحيى بن حمد الناعبي
ثمرة الإخلاص لا تأتي إلا بالعمل الصالح والذي يراد به مرضاة ربنا العظيم فالإخلاص حقيقته حب لأي عمل تعمله فكما يقال (حب الشيء تخلص فيه) فكلما أحببت عملا ما من سويداء قلبك تحقق لك ذلك النجاح الذي ترنو إليه ووجدت ثماره يانعة وقد حان قطافها.
فبالأمس تلقينا خبرا نزل علينا كالصاعقة خبرا ليس كأي خبر ، خبر وفاة زميلنا وأخينا وحبيبنا وحبيب الملايين إن صح التعبير فمن منا لا يحب الأستاذ أحمد الدغيشي
فعن نفسي أحدثكم عن علاقة به تربو على الخمسة عشر عاما منذ أن عملنا سويا في المهرجان الطلابي للعيد الوطني الأربعين وتحديدا في لجنة المعدات أو الأدوات التي يحملها الطلبة أثناء العرض ، عملنا سويا بكل تفان وإخلاص وبكل طاقة في أجسامنا وعقولنا وأفكارنا مع نخبة مميزة رائعة من خيرة المعلمين الرائعين والذين يشار إليهم بالبنان .
يقول أحد زملائه ومحبيه ( بقلوب يعتصرها الحزن ، ونفوس مؤمنة بقضاء الله وقدره، تلقينا نبأ وفاة الأستاذ الفاضل أحمد الدغيشي مدير مدرسة ابن النفيس- ذلك الرجل الذي لم يكن مجرد اسم في سلك التعليم، بل كان قلبا نابضا بالخير، وضميرا حيا ، وقائدا ملهما، يفيض إنسانية وحنانا وكرامة ، وكان الأستاذأحمد مدرسة في ذاته ، وموقفا نادرا في زمن قل فيه الوفاء .
وجهه لايغادره التبسم ، وصوته لاينطق إلا طمأنينة ،وأسلوبه في القيادة كان فريدا ؛ يستنهض الهمم ويربت على القلوب ، ويحتوي الجميع بلا استثناء ، لم يعرف الكلل ، ولم يشتك يوما من عناء ، فقد كان للجميع صدرا رحبا ، وأذنا صاغية ، وقلبا صادقا )
هذه بعض الدرر التي صاغها أستاذي العزيز أيمن الناعبي في مقال طويل صاغه من أعماق قلبه .
وقال زميله وحبيبه ورفيق دربه الأستاذ غانم الهنائي ( ليست هناك كلمات توفي حق الأستاذ أحمد الدغيشي فهو الأخ والصديق والحبيب والرفيق ، مصابنا جلل والفقد كبير ولا نقول إلا ما يرضي ربنا. إنا لله وإنا إليه راجعون )
وقد استوقفتني بالأمس رسالة واتساب في نفس اليوم الذي توفي فيه تقول ( أن العطاء أجمل وألذ من الأخذ ، وأن التسامح أنقى وأرقى من الضغينة، وأن القوة الحقيقة ليست بالشدة والغلظة، بل بالطيبة واللين والسماحة، وأن الحياة ماضية والبشر عابرون، ولن يبقى حقا إلا الأثر الطيب ) فكأنها إشارة صادقة تتحدث عن سمات وخصال في مصابنا الجلل.
وفي مقالي المتواضع هذا أحاول أن ألملم الكلمات وأجمعها من هنا وهناك لأصوغها في قالب جميل لإنسان عظيم المنزلة لدي ولدى الكثيرين ممن عرفوه وخالطوه ، من زملاء عمل وطلبة وأولياء أمور ومسؤولين في وزارة التربية والتعليم . كلمات قاصرة لاتفي بحقه مهما قلت وتحدثت ، فعن من أكلمكم عن إخلاص جعله بساطا يمشي عليه بخطوات كلها ثقة وإيمان ويقين بأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا ، عن عشق تجذر في أضلاعه حبا وعشقا وهيام بمدرسته الخالدة المجيدة- إبن النفيس- عشق أبدي خالد سرمدي إلى آخر نفس من حياته ، ولم يرض بها بديلا أبدا حتى أنني نصحته معاتبا له عتاب المحب عندما عرضت عليه مدرسة أنس بن النضر بعد وفاة قائدها الوفي المخلص الأستاذ يحيى العامري . فقال لي لماذا لم تنتقل أنت من الحارث بن خالد فأجبته بأنني كنت أحبها وأنتقل حبي لها لمرحلة العشق والهيام فقال وأنا كذلك فإبن النفيس ليست كأي مدرسة فهي بيتي الثاني ولا أستطيع أن أفارقها .
يخرج من بيته والكائن في الشرادي باكرا قبل أذان الفجر بحيث يصليها جماعة في أحد مساجد الوادي الكبير ، حرصا منه بأن يكون أول الواصلين إلى مدرسته .
وعند سؤالنا عن سبب وفاته ، علمنا بأنها بالسكتة القلبية عند زيارته لخالته العزيزة في البريمي وهنا يعلمنا حتى بعد وفاته بأن زيارة الأرحام واجبة ومن وصل رحمه وصله الله ومن قطع رحمه قطعه الله.
فيالها من دروس عظيمة تعلمنا إياها في حياتك وبعد مماتك ويالها من حسن خاتمة لك أيها الغالي علينا ونظنها كذلك ولانزكي على الله أحد.
فعليك رحمات الله يا أخي وحبيبي أحمد ونسأل الله تعالى أن يجمعنا بك في مستقر رحمته في جنات الفردوس الأعلى من الجنة فهو ولي ذلك والقادر عليه.
فجر يوم الأحد الموافق ٢٠ يوليو ٢٠٢٥ م بمكة المكرمة.



