بيوت عامرة بالناس .. خالية من الإحساس: هل نعيش زمن “العقوق الصامت”؟
جواهر بنت خلفان الشيدية
حين نذكر مصطلح “عقوق الوالدين”، تتبادر إلى الأذهان فوراً تلك الصور الصادمة التي تعرضها شاشات التلفاز أو نقرأ عنها في صفحات الحوادث: صراخ، أو تمرد، أو إساءة لفظية وجسدية .. لكن في عمق بيوتنا المعاصرة، يتسلل نوع آخر من العقوق، نوع لا صوت له ولا ضجيج، لا يترك أثراً على الجسد بل يقتل الروح ببطء وهدوء. إنه **”العقوق الصامت”.
هذا المفهوم لا يعني بالضرورة قطع الرحم أو الهجر الكامل، بل يعبر عن فجوة عاطفية وجفاء مغلف بالرسميات؛ حيث يقوم الأبناء بواجباتهم تجاه والديهم كإسقاط فرض وتأدية واجب، بينما يجرّدون العلاقة من أسمى معانيها: الحنان، والإنصات، والقرب الوجداني .. مظاهر العقوق الصامت: كيف يسرق الدفء من بيوتنا؟
لا يحتاج الابن العاق صامتاً إلى إشهار سيف الخلاف، بل يمارس جفاءه بأشكال متعددة قد تبدو عادية في تفاصيل الحياة اليومية، ومن أبرزها:
حضور الجسد وغياب الروح: أن يجلس الابن أو الابنة مع الوالدين وهو غارق في شاشة هاتفه الذكي، يمنح العالم الخارجي والافتراضي كل انتباهه وابتساماته، بينما يكتفي مع والديه بهز الرأس أو إجابات مقتضبة وجافة.
لرعاية المادية الجافة: التكفل بمصاريف الوالدين وعلاجهم وتأمين احتياجاتهم مع حرمانهم من الكلمة الطيبة، أو الابتسامة، أو الجلسة الودية. يتحول الابن هنا إلى مجرد جهة تمويل تلبي الطلبات وتهمل القلوب.
زيارات “إسقاط الواجب”: تحول زيارة الوالدين إلى عبء ثقيل يُقاس بالدقائق والساعات. يدخل الابن وعينه على الساعة، ويتعلل دائماً بالانشغال وضيق الوقت، ليرحل سريعاً تاركاً وراءه غصة وتنهيدة في قلوبهم.
التهميش والإقصاء: استصغار عقلية الوالدين أو عدم مشاركتهم أخبار الحياة والقرارات المهمة بحجة “أنهم كبروا في السن ولن يفهموا تعقيدات العصر”، مما يشعرهم بالانعزال وعدم القيمة في حياة أبنائهم.
لماذا وصلنا إلى هنا؟
إن العقوق الصامت ليس مجرد قسوة قلب مفاجئة، بل هو نتاج تراكمات معقتدة فرضها إيقاع العصر الحديث:
1. الإنهاك الرقمي وضغوط الحياة: انشغال الجيل الحالي بصراعات العيش والركض المتواصل وراء لقمة العيش، والوقوع في أسر وسائل التواصل الاجتماعي التي سرقت الدفء والوقت من العلاقات الأسرية الحقيقية.
2. الفهم الخاطئ لمفهوم البر: يظن الكثير من الشباب أن البر هو مجرد طاعة الأوامر وتوفير المأكل والمشرب، متناسين أن القرآن الكريم حين نهى عن أدنى مراتب الإساءة في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾، أتبعه مباشرة بأمر يعيد صياغة العلاقة كاملة: ﴿وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾، والقول الكريم لا يكون بالصمت، والتأفف الخفي، والبرود.
الأثر النفسي: وجع لا يشتكيه الكبار
إن العقوق الصامت أشد إيلاماً على كبار السن من الخصام المعلن؛ فالخصام يمنحهم فرصة للعتاب والمواجهة وتفريغ الشحنات العاطفية، أما الصمت والجفاء الخفي فيتركانهم في حيرة وتساؤل دائم محمل بالوجع: *”ماذا فعلنا ليُعاملونا بهذا البرود؟”.
هذا الجفاء يؤدي بالوالدين إلى شعور قاتل بالوحدة الغربة وهم في جدار بيتهم، ويزيد من احتمالية إصابتهم بالاكتئاب وشعورهم بأنهم أصبحوا عبئاً ثقيلاً ينتظر الآخرون الخلاص منه، مما ينعكس سلباً وبشكل سريع على صحتهم الجسدية.
كيف نتدارك أنفسنا؟ خطوات عملية للبر الحقيقي
الخطوة الأولى في العلاج هي اليقظة ومراجعة تفاصيل سلوكنا اليومي مع والدينا من خلال خطوات بسيطة لكنها تصنع فارقاً عظيماً:
وصفة للبر الواعي:
وقت خالص: إجعل لوالديك وقتاً من يومك يكون فيه هاتفك مغلقاً أو بعيداً عن يدك تماماً.
الإنصات الشغوف: استمع لقصصهم القديمة والمكررة بصدر رحب وابتسامة، وكأنك تسمعها للمرة الأولى في حياتك.
الاستشارة والتكريم: استشرهم في بعض أمورك الخاصة، ليس لأنهم يملكون الحلول التقنية لكل شيء، بل لأن استشارتهم تكرم شيبتهم وتشعرهم بأن رأيهم لا يزال مهماً ومؤثراً.
اللمسة الحانية: القبلة على الرأس واليد، والربت على الكتف، كلمات الغزل والثناء.. كلها تفاصيل تعيد الروح لقلوب أتعبها السير في قطار العمر.
خاتمة ..
إن الوالدين في مرحلة الشيخوخة لا يحتاجان إلى الفنادق الفاخرة ولا الملابس الثمينة بقدر حاجتهما إلى “أمان عاطفي” يشعرهما بأنهما ما زالا في قلب الحياة، وليس على هامشها. العقوق الصامت هو سرقة لهذا الأمان مغلفة بـعذر “الإنشغال”.
فلنتدارك أنفسنا، ولنراجع حساباتنا قبل أن يُغلق باب من أبواب الجنة، ونقف يوماً نذرف الدموع ندمًا، نتمنى لو منحناهم نظرة رضا أو ساعة إنصات لم نَجُد بها عليهم وهم بين أيدينا.



